البحث المتقدم

البحث المتقدم

٢٥ شعبان ١٤٤٧

المواقفُ القوميّةُ لأبناءِ كربَلاء

 

 

لم يكن أبناء كربلاء بعيدين عن الجانب القوميّ أيضًا، بل كانت لهم وقفات مشـرّفة مع القضايا المصيريّة في الوطن العربيّ، كالقضيّة الفلسطينيّة التي كان من أولى مسانداتهم لها هي المساندة الأدبيّة والدينيّة المتمثّلة بخطب رجال الدين في المدينة والفتاوى التي أصدروها تجاه هذه القضيّة المصيريّة. وعندما عقد المجمَّعُ العلميّ الأدبيّ في مدينة يافا شارك الشاعر محمّد مهدي الجواهريّ بقصيدة بائيّة، كان مطلعها:

بـ يافا يومَ حُطَّ بها الرِّكابُ                           تَمَطَّرَ عارِضٌ ودجا سَحابُ

من جانب آخر أقيم في نادي الأمير فيصل في كربلاء حفلٌ أدبيٌّ كبيرٌ على شرف الوفد الفلسطينيّ الذي زار المدينة، تخلّل الحفل العديدُ من القصائد والخطب والكلمات التي أعلنت التّلاحُم الكربلائيّ مع القضيّة الفلسطينيّة، كما وكان لكربلاء وقفة مشرّفة عندما احتجّت على قرارِ اللّجنة الدوليّة القاضي بتقسيم فلسطين، إذ خرج أبناء المدينة مساء يوم (4 أيلول 1947م) بمظاهرة ضمّت كثيرًا من الشباب الذين يحملون الفكر القوميّ رافعين شعاراتٍ تندّد بقرار اللجنة الدوليّة وتطالب بإلغائها، بعدها ألقى الشيخ صبري الهر خطبةً فضح بها المؤامرة التي تقودها الدول الغربيّة ضد فلسطين.

وقد صادف أن أقام الشبابُ القوميُّ في كربلاء مجلسَ عزاء في جامع المخيّم في ذكرى استشهاد الإمام الحسين -عليه السلام- عند أواخر شهر أيلول، إذ تحوّل هذا المجلس الذي استمرّ مدّة ثلاثة أيام إلى مؤتمر سياسيّ، فقد أذاع سياسيّو كربلاء مطالبهم القوميّة التي فضحوا بها الدول الاستعماريّة.

كما وتجلّى الموقف الكربلائيّ واضحًا من الحرب العربيّة الصهيونيّة عام 1948م ابتدأ هذا الموقف بمساندة واضحة من قبل رجال الدين الذين كثيرًا ما نقلوا عن طريق منابرهم معاناة أبناء فلسطين، كما وأصدروا فتوى أعلنوا فيها الجهاد الذي لابدّ من سلوكه لتحرير فلسطين، وقد حرّر هذه الفتوى السيّد محمّد حسين كاشف الغطاء إذ أوجبت المساندة الكليّة لمحنة فلسطين، وشكّلت مدينة كربلاء لجانًا عديدة خاصّة بجمع التبرّعات والإعانات والتي شملت أيضًا مصوغات ذهبيّة تعبيرًا عن الوقفة المشـرّفة للمرأة الكربلائيّة تجاه هذه القضية. هذا بالإضافة إلى أنّ الدوائر الرسميّة أضافت طابعًا بريديًّا آخر على المعاملات الرسميّة يعود ريعه لنصرة فلسطين.

لم تقتصر المساندة الكربلائيّة للقضيّة الفلسطينيّة فحسب، بل وإنّها لم تكن بعيدة عن إحداث الاستقلال في سوريا ولبنان، إذ كان للشاعر الكربلائيّ عبّاس أبي الطوس قصيدة رائعة حملت عنوانًا ذا مضمون مساند أسماها (من وراء القضبان)، فضلاً عن قصيدة الشاعر محمّد مهدي الجواهريّ التي كان عنوانها (ناغيتُ لبنانا).

كما وأنّ أبناء المدينة لم يكونوا بعيدين عن أحداث ثورة (23 تموز1953م) في مصر عندما أعلنتْ مدينة كربلاء تضامنها التّام مع الأحداث السياسيّة في مصر، إذ رفع محامو كربلاء برقيّةً نُشرت في الصحف يبدون فيها تحيّة لجهاد الشعب المصريّ ضد بريطانيا، كما ورفع أبناء المدينة مضبطة تحمل توقيع(105) من سياسيّي كربلاء يعلنون مساندتهم لقضيّة مـصر كما ورفعت المؤسّسة الدينيّة في كربلاء برقيّة حرّرها الشيخ محمّد جواد الجزائريّ إلى شيخ الأزهر تحثّه على الدفاع عن حقوق مصـر ومقاومة العدوان في ضوء النصوص الدينيّة الواجب اتّباعها، كما كان للوقفة الأدبيّة دورٌ في أحداث مصر عندما نظّم الشاعر عبّاس أبو الطوس قصيدةً شعريّةً كان مطلعها:

يا مصرُ سيري لا تهابي                              وحشًا يهدّدُ بالعــقابِ

فضلًا عن أنّ لفيفاً من الشباب القوميّ في المدينة قد وجّهوا كتابًا مفتوحًا إلى السيّد أبي القاسم الكيشانيّ يحيّون به شعوره المتضامِن مع استقلال البِلاد العربيّة والإسلاميّة، شاكرين موقفه على استنكار الاعتداء البريطانيّ على مصـر، أمّا فيما يخصّ الوقفة المشرّفة لأبناء كربلاء إزاء نضال إخوانهم في المغرب العربيّ ضد السيطرة الفرنسيّة، فقد كانت لهم وقفتهم ومساندتهم  تمثّلت بالخطاب القاسي والشديد اللهجة الذي تحدّث به الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء مع السفير البريطانيّ (جون تروبك) في إثناء زيارته مدينتَي كربلاء والنجف، إذ انتقد الشيخ السياسة البريطانيّة تجاه الأقطار العربيّة والفضائح التي قام بها الاستعمار الفرنسـيّ في أقطار المغرب العربيّ، إذ ردّد قائلًا: ((كان اللازم عليكم وعلى الأمم المتّحدة أو الملحدة ردعهم - يقصد ردع الفرنسيّين- عن هذه الأعمال الوحشيّة البالغة أقصى مراتب الظلم..)).

كما وأصدر السيّد هبة الدين الشهرستاني نداءً عامًّا أهاب بقادة الدول العربيّة الإسلاميّة للعمل من أجل إنقاذ الشعب المغربيّ من الأساليب الفرنسيّة واسترجاع حقوقه المسلوبة كافة، أمّا أبناء مدينة كربلاء فقد حرّروا مضبطةً رفعوها إلى الحكومة العراقيّة يستنكرون بها الأعمال الوحشيّة التي استخدمها الفرنسيّون في أقطار المغرب العربيّ، جاء فيها: ((نحن الشباب العربيّ في مدينة كربلاء نحيّي إخواننا العرب في المغرب العربيّ ونؤيّدهم في نضالهم الوطني من أجل الحريّة والوحدة والاستقلال)).

وعلى المستوى نفسه لم يكن الشعر الكربلائيّ بعيداً عن أحداث المغرب العربيّ إذ نظّم الشاعر الكربلائيّ عبّاس أبو الطوس قصيدةً تساند الثورة الجزائريّة، جاء فيها:

مهما طغى السفاحُ في حكمهِ                           وعربد الجلّادُ لن نذعن

هذا بالإضافة إلى قصيدة أخرى للشاعر محمّد مهدي الجواهريّ عنوانها (الجزائر) ألقاها في دمشق بمناسبة أسبوع الجزائر الذي أقيم في سوريا عام 1956م، جاء فيها:

جزائرُ الحرّة أمٌّ لنا                               وإنّنا سنفتدي أُمَّنـا

لذا فقد نظر أبناءُ كربلاء إلى الاستعمار الفرنسيّ والبريطانيّ على إنّهما يمثّلان قبضةً واحدة ذات مخالب متعدّدة تهدف إلى النيل من الشعب العربيّ بأسره وإنّهم لابدّ لهم من أن يستمرّوا في مقارعة هذا الاستعمار بكلّ أشكاله وصوره لأنّهم يحملون روحًا وطنيةً موروثة تؤهّلهم لان يكونوا أهلًا لهذا، وان مشاركتهم في منعطفات السياسة العراقية كافة لم يأتِ بسبب هذا الإرث فقط بل لأنّ مدينتهم كانت ساحة جهاد منذ أن تشرّفت باحتضان جثمان شهيد الجنان الإمام الحسين -عليه السلام- وأنّ هذه المدينة منذ ذلك الحين كانت عيناً للجهاد والتضحية والفداء وهذا الأمر لم ينصفه التاريخ لأسباب معروفة حالت دونه، وإنّ هذه البطولات توجب منّا أن نأخذها بعين الاعتبار لأنّ صانعيها قد خلّدوها لنا ورسموا بها وجه المدينة المشرق أمام العالم أجمع.

مركز تراث كربلاء

مواضيع ذات صلة