البحث المتقدم

البحث المتقدم

٠٨ رمضان ١٤٤٧

معركة أولي البأس.. السرديّة الثقافيّة الإيمانيّة (2)

 

4

تفسير ما جرى على المقاومة وبيئتها جرّاء العدوان الإسرائيليّ المتوحِّش من منطلق إيمانيّ ثقافيّ

 

 

نظرًا لقساوة ما وقع على المقاومة من عدوان إسرائيليّ متوحِّش، وهوله وعِظمه، لا بدّ من قراءة ذلك في ضوء المبادئ والمنطلقات الإيمانيّة والثقافيّة، والإجابة عن الكثير من التساؤلات التي يمكن أن تُطرح في المقام. وهو ما يتطلّب المعالجة بلحاظ الحيثيّة الإيمانيّة والفكريّة والثقافيّة، والحيثيّة العسكريّة والأمنيّة والسياسيّة، وذلك من خلال الآتي:

1. الحضور الإلهيّ: قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم وَاللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِير﴾[1]، وكما يقول الإمام الخمينيّ (قدس سره): «العالم كلّه محضر الله تعالى، وكلّ ما يقع إنّما يقع في محضره»، فكلّ ما يجري في العالم هو في عين تدبيره وإرادته، وهو مقتضى التوحيد الأفعاليّ.

وما هذا الحدث الاجتماعيّ التاريخيّ الكبير بجميع حيثيّاته إلّا آية من آيات الله الكبرى، الدالّة على حضوره وفاعليّة أسمائه الحسنى في الوجود، وسبيلٌ إلى معرفته وعبادته. ولكنّ التدخّل الإلهيّ في حياة البشر لا يكون خارجًا عن السنن التي جعلها الله تعالى حاكمةً في نظام الوجود المبنيّ على أحسن ما

 

 

يكون، وقد أشار القرآن الكريم إلى سنن التدخّل الإلهيّ في حياة البشر؛ فسنّة الغلبة المادّيّة مثلًا، تكون عبر سلسلة من الأسباب والمسبّبات (العلل والمعلولات)، وتحقّق نتائجها مرتبط بأعمال البشر بالدرجة الأولى. وهذه الأعمال على قسمين: قسم يتعلّق بالأعمال والسلوكات الإيمانيّة والمعنويّة والأخلاقيّة، وقسم آخر يتعلّق بالإدارة والتدبير والإعداد والشروط المادّيّة. وبالتالي، فإنّ أيّ خلل أو تقصير في عملٍ أو تدبيرٍ أو شرط مادّيّ أو معنويّ، قد يؤدّي إلى تبدّل في النتيجة. فما جرى من نتائج سلبيّة مصحوبة بتضحيات كبرى ناشئ من خلل أو تقصير في أحد القسمين أو كليهما.

2. سنّة النصر الإلهيّ: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُركُم وَيُثَبِّت أَقدَامَكُم﴾[2]. من المحتوم أنّ النصر على المستوى البعيد والاستراتيجيّ سيتحقّق، فالصراع بين المقاومة والعدوّ الإسرائيليّ هو صراع بين الحقّ والباطل، صراع بين المُصلِح والمُفسِد، صراع بين المؤمنين والكافرين الذين يصدّون عن سبيل الله، وهذا حتمًا نتيجته انتصار الحقّ، قال الله تعالى: ﴿وَقُل جَاءَ

 

 

الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقا﴾[3]، لكن لا يمكن القول إنّ كلّ معركة ستسفر عن نصر المؤمنين؛ فالأمر يخضع أيضًا لتداخل مجموعة من السنن الإلهيّة الأخرى، كسنّة التداول وغيرها... وما كرّسه خطاب سيّد شهداء الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) لا يخرج عمّا تحدّده هذه السنن وترسمه؛ إذ استند (رضوان الله عليه) من جهة إلى القدرات والإمكانات العسكريّة التي راكمتها وطوّرتها المقاومة آنذاك، وإلى تجارب المقاومة السابقة في تحقيق النصر، وإلى صدق المجاهدين وشجاعتهم وبأسهم، وصمود مجتمع المقاومة ووفائه وثباته وولائه، وأوّلًا وأخيرًا إلى اعتماده وتوكّله على الله، ووعده بنصرة المؤمنين.

ومن جهة أخرى، فإنّ خطابَ سيّد شهداء الأمّة (رضوان الله عليه) خطابٌ ردعيّ وبنائيّ؛ ردعيّ ردع به العدوّ خلال 17 سنة من الاعتداء على لبنان، وبنائيّ استطاع من خلاله أن ينقل المجتمع ويحوّله من حالة الضعف إلى حالة القوّة، وأن يبني مجتمعًا قويًّا مقتدرًا واثقًا من نفسه، يعتقد بالنصر ويثق به، غارسًا فيه

 

 

عقليّة المنتصر وروحيّته، لا المهزوم أمام العدوّ، وهو ما ظهر في هذه المعركة، برغم كلّ الخسارات الماديّة الجسيمة التي مُنيت بها المقاومة، ومدّها بالقوّة والثبات والصمود والفاعليّة حتّى اللحظة الأخيرة.

كما أنّ النصر قد يكون من جهات معيّنة وليس كاملاً؛ أي ثمّة مساحة معيّنة ينزل فيها النصر الإلهيّ، كما حصل في المواجهات البطوليّة الميدانيّة، حيث ثبّت الله أقدام المؤمنين ونصرهم، وثمّة مساحة أخرى لم ينزل فيها النصر نتيجة تفوّق العدوّ بجمع المعلومات وسلاح الجوّ والاختراق الأمنيّ.

كما ينبغي الإطلالة على معارك الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لأخذ العِبر، فهل حقّق الرسول (صلى الله عليه وآله) في جميع المعارك التي خاضها المسلمون انتصارات عسكريّة؟ هل خلت جميعها من الإخفاقات والتضحيات الجسام والشدّة؟ لقد جُرِح الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في معركة أُحُد، وكاد أن يُقتل المسلمون ويُهزَموا بعد تقصيرهم في جنبة من العمل العسكريّ الميدانيّ، وعدم التزامهم بأوامر الرسول (صلى الله عليه وآله) القائد، واستشهد الحمزة عمّ الرسول (صلى الله عليه وآله). وفي حنين، إذ أعجبتهم كثرتهم، أصيبوا بالجراح، وجُرح الإمام عليّ (عليه السلام)، وفي معركة مؤتة استشهد القادة...، وهذه التضحيات كلّها بُذلت في ظلّ قضيّة استراتيجيّة

 

 

كبرى ترتبط ببقاء الإسلام وحفظه، وهو الانتصار الحقيقيّ. وكذلك نقرأ شهادة الإمام عليّ (عليه السلام) والإمام الحسن (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام)، كتضحيات كبرى في سبيل قضيّة كبرى، قضيّة محاربة تأويل الدين وتحريفه، لتنتصر أصالة الدين وتستمرّ عبر الزمن بقيادة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) تمهيداً لصاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء).

وفي واقعنا الحاليّ يُستكمَل المشهد، فنقرأ هذه التضحيات كلّها، من شهادة الأمين العامّ (رضوان الله عليه)والقادة الكبار والشهداء الأبرار والنزوح والدمار... كتكليف نقوم به بقيادة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي}؛ لنصنع مدماكاً يربطنا بالقضيّة الكبرى والمحوريّة، وهي التمهيد لإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه)، وإقامة حكومته العادلة العالميّة، وهي المشروع الإلهي الموعود لسعادة البشريّة. وبالتالي، نرى مشهد التضحيات والشهادة، مشهد نصر حقيقيّ؛ لأنّه نصر لله، وإحياء لقضيّة الله ومشروعه، وحفظ لدينه، حتى يتحقّق النصر الكامل، وهو ما أشار إليه سماحة الأمين العامّ الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله) في حديثه عن جوهر النصر الحقيقيّ، بـقوله: «إنّ المقاومة لا يمكن أن تكون أقوى عسكريًّا، ولا يمكن أن نعتمد بأنّ

 

غلبتها هي غلبة عسكريّة، أبدًا، المقاومة غلبتها على إسرائيل بإيمانها، بشبابها، بنسائها، بأطفالها، بشيوخها، بعطاءاتها، بدماء قادتها، بالتضحيات التي تُقدَّم، هكذا تنتصر المقاومة، هنا يأتي الموضوع العسكريّ كجزء من الأدوات المساعِدة في عمليّة الانتصار. المقاومة قويّة بقراراتها، بإرادتها، وبالمؤمنين بها، هي أقوى بصمودها وتحمّل التضحيات الكبرى، هي أقوى باستمراريّتها، لقد حصدنا في هذه المعركة الحُسنيَين: الشهادة والنصر؛ استشهد لنا قادة وأعزّاء ومجاهدون ونساء وأطفال ورجال، وفي آنٍ معًا، الباقي انتصر؛ لأنّه بقي في الميدان، ولأنّ المقاومة مستمرّة، هذا النصر هو بصمودنا واستمرارنا، سجّلوا لديكم: هذا نصر».

ويقول في مكان آخر: «شعبنا يُدرك تمامًا أنّه انتصر بعناوين، وخسر وضحّى بعناوين أخرى، نحن لم نتحدّث عن نصر مُطلق، نحن تحدّثنا عن نصر مُرتبط بالصمود، ومُرتبط بالاستمراريّة، وبكسر الاجتياح الإسرائيليّ، وبعدم إنهاء المقاومة، هذه العناوين هي أهداف استطعنا أن نُحقّقها، وهذا مُهمّ جدًّا وانتصار. في المقابل، هناك خسائر وتضحيات... هذه خسائر حقيقيّة موجودة على الأرض وفي الميدان، لكنّها المعركة، فيها أرباح وفيها خسائر».

 

3. ابتلاء ورفعة، وليس استبدالًا وخذلانًا: لقد انطوت هذه الحرب على الكثير من المشاقّ والشدّة والابتلاءات العظيمة. وكأيّ حرب كبرى، سينتج عنها فقدان للنفوس، ودمار للبيوت، وفناء للأرزاق، خاصّةً عندما يكون العدوّ متوحِّشًا ومجرمًا، ولا حدّ لإجرامه، كالعدوّ الصهيونيّ الأميركيّ.

لكن، إذا نظرنا إلى هذا الأمر من الرؤية القرآنيّة الإسلاميّة، ومشروع الخلافة الإلهيّة في الأرض، وتكامل المجتمعات، نَعِي بدايةً، ومن منطلق خلافة الإنسان في الأرض ﴿وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِل فِي الأَرضِ خَلِيفَة قَالُواْ أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾[4]، وبحكم كون الإنسان موجودًا مختارًا مسؤولًا حاملًا للأمانة الإلهيّة، أنّ عليه محاربة هذا العدوّ ومقاومته، لكفّ إجرامه والحدّ من شرّه قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾[5]، وبالتالي على المؤمنين تحمّل ما يقع عليه من صعاب

 

ومشقّة وبلاء جرّاء هذه المواجهة، ثمّ العمل على بناء ما أفسدته آلة العدوّ الاجراميّة، وما أحدثته من شرور ونقائص وخسائر يمكن تعويضها، وترميمه وإعماره، والسير قدمًا للأمام، برغم المشقّة والألم، في مسار التمهيد وتكامل الفرد والمجتمع.

وإذا نظرنا في سِيَر الأنبياء والأولياء والأتباع، نجدهم أشدّ الناس بلاءً، جرّاء مواجهتهم لمشاريع الكفر والاستكبار والظلم؛ فطريق الحقّ ونصرة الله طريق محفوف بالبلاء، كما نقرأ في سيرة الأنبياء (عليهم السلام) والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) وأصحابهم ومواليهم، وما جرى عليهم من ظلم، وبذلوا من تضحيات جسام في الاموال والأنفس، يقول الله تعالى: ﴿وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَيء مِّنَ الخَوفِ وَالجُوعِ وَنَقص مِّنَ الأَموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾[6]، فثمّة اختبار دائم وامتحان للبشر بحوادث يكتنفها الخوف والفقر وخسران الأنفس والأرزاق والديار، لكن في الختام البشارة بالخير لمن يصبر ويثبت.

وإنّ المجتمع المقاوم في لبنان، بمقاومته وبيئته، ومن موقع التكليف الإلهيّ، وحمل الأمانة

 

والخلافة الإلهيّة، واجه بصدق وإيمان وبسالة وعزم وثبات، العدوّ الصهيونيّ، عدوّ الله، عدوّ الإنسانيّة، المتسلّح بأحدث التقنيّات العسكريّة والأمنيّة، وتلقّى ضربات قاسية ومؤلِمة، وهي بثقافتنا القرآنيّة ابتلاء أو اختبار، إلّا أنّه في عبور هذا الاختبار والامتحان الصعب، خرج عزيزًا مقتدرًا، قدوةً وحجّةً على العالمين في عصره، إذ منحته الشدائد نضجًا وتكاملًا وقربًا من الله، وأخرجت كلّ ما لديه من قِيم إيمانيّة وأخلاقيّة ووطنيّة. فهذه الابتلاءات كلّها تؤهّل المقاومة وبيئتها للمزيد من القدرات والإمكانات وتربية النفوس على زيادة العزم وقوّة الإرادة، كما حصل معها في تجاربها السابقة.

وهذا ما نقرأه في قوله تعالى: ﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ 140 وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 141 أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾[7]؛ إذ يتبيّن لنا

 

في قضيّة تداول النصر في القرآن بين المؤمنين والكفّار عدّة أمور، منها:

ليعلم الله الذين آمنوا في الشدائد وفي المعارك القاسية التي لا يكون النصر فيها جليًّا (بخلاف حالة النصر الجليّة). ولتصل مجموعة من الناس إلى رتبة الشهداء، ويشهدون على الأمم. ولكي يتمّ القضاء (المَحْق) التامّ لاحقًا على الكافرين. وليعلم الله المجاهدين والصابرين، بصرف النظر عن النتائج.

هذه أمور لا بدّ من أخذها في الحسبان عند قراءة ما حصل.

كما تُعَدّ هذه الابتلاءات تذكيرًا من الله للإنسان والمجتمع؛ كي لا يغفل ولا ينسى ولا يقصّر عن مشروعه وأهدافه الإلهيّة الكبرى، فلا يرتمي في أحضان الفساد والتكاسل والركون إلى ملذّات الدنيا، فإنّ «الصعوبات والشدائد مربّية للفرد ومُوقِظة للأمم، فهي تعيد الوعي للنائمين، وتحرّك العزائم والإرادات».

ومن ناحية ثالثة، إذا تعاملنا مع هذه الابتلاءات بعين الرضا والحمد والصبر والاستقامة وعدم الجزع والتخلّف، فإنّها ستُظهِر ما في باطنها من لطف ورحمة ونعمة وجمال، وستقودنا إلى الفلاح الحقيقيّ

 

والسعادة الحقيقيّة بجوار الله عند مليك مقتدر. وهو ما ظهر جليًّا في تصريحات الجرحى وعوائل الشهداء وأبناء مجتمع المقاومة، من عشقهم لإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه) ولسيّد المقاومة، ووفائهم لخطّ المقاومة والشهداء.

ومن هنا يظهر الخطأ في تفسير هذه الابتلاءات بخذلان الله أو الاستبدال، ما دامت المقاومة وبيئتها قد اعتمدا مبدأ العمل بالتكليف الإلهيّ الشرعيّ والأخلاقيّ الإنسانيّ، وعمِلا بمقتضى الأمانة والخلافة الإلهيّة، ولم يفقدا لياقة النصر ومؤهّلاته، من التوجّه نحو الله، وتولّي أولياء الله، وطاعة وليّ الأمر، والنصرة، والثبات، والإيثار، والتضحية، وروحيّة الجهاد والشهادة، والوحدة في محاربة أعداء الله من إسرائيل وأميركا، والتبرّؤ منهم، قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ 172 ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ 173﴾[8].

أمّا سنّة الاستبدال، فمن أبرز أسبابها ترك الجهاد، قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبكُم عَذَابًا أَلِيما وَيَستَبدِل

 

قَومًا غَيرَكُم وَلَا تَضُرُّوهُ شيئا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ﴾[9]، فإنّ شرط الاستبدال في الآية عدم «النفير» بمعنى «الجهاد في سبيل الله»؛ أي إن لم تجاهدوا في سبيل الله، يستبدلكم الله تعالى، ولكنّ المقاومة الإسلاميّة-بحمد الله- رفعت راية الجهاد عاليًا، قولًا وعملًا، فلا محلّ لاستبدالها.

 

 

 

5

الخصال الإيمانيّة والمعنويّة للمجاهدين

 

استنادًا إلى الروايات التي تحدّثت عن صفات أنصار الإمام المهديّ (عليه السلام)، نجد أنّهم، مخلصون، عابدون، عاشقون، مشفقون من خشية الله، ثابتون، متولّون أولياءه، ومتبرِّئون من أعدائه، أقوياء، أشدّاء، مجهّزون، غاضبون، موحِّدون، منظَّمون، مطيعون، مبتَلَون، فدائيّون، مؤثِرون، داعون بالشهادة، شعارهم «يا لثارات الحسين». وفي الختام، تشير الأحاديث إلى أنّ الله بهم ينصر إمام الحقّ.

ولقد سطعت هذه الجوانب الإيمانيّة والمعنوية والعقائديّة والثقافيّة كلّها، وتجلّت في مجاهدي المقاومة الإسلاميّة، كخلاصة لتربية ممتدّة عبر سنوات في مدرسة الإسلام والتشيّع وكربلاء. فمنذ انطلاق الثورة الإسلاميّة في إيران، وبزوغ نور هداية الإمام الخمينيّ (قدس سره)، وفتح باب الجهاد، امتدادًا للثورة الحسينيّة، وتمهيدًا لظهور الإمام الحجّة (عجل الله تعالى فرجه)، نشأت المقاومة، وكبرت واشتدّت كشجرة طيّبة، رعاها الإمام الخامنئيّ (دام ظله) بتوجيهاته، وربّاها سيّد شهداء الأمّة (رضوان الله عليه) وقادها بكلّ جوانبها ومفاصلها، وانتقل بها مراحل وأطوار من التقدّم والسموّ والعزّة والنصر.

ولقد رسم سيّد شهداء الأمّة (رضوان الله عليه) في

 

ردّه على رسالةٍ وصلته من المقاومين، في حرب تمّوز 2006م، مكانة هؤلاء المقاومين وخصالهم، بقوله:

«أنتم الوعد الصادق، وأنتم النصر الآتي بإذن الله، أنتم الحرّيّة للأسرى والتحرير للأرض، والحمى للوطن وللعرض والشرف... أنتم أصالة تاريخ هذه الأمّة، وأنتم خلاصة روحها، أنتم حضارتها وثقافتها وقيمها وعشقها وعرفانها، أنتم عنوان رجولتها، أنتم خلود الأرز في قممنا، وتواضع سنابل القمح في ديارنا، أنتم الشموخ كجبال لبنان الشامخة، العاتية على العاتي، والعالية على المستعلي، أنتم بعد الله تعالى الأمل والرهان، كنتم وما زلتم وستبقَون الأمل والرهان.

أقبّل رؤوسكم التي أعلَت كلّ رأس، وأقبّل أياديكم القابضة على الزناد، يرمي بها الله تعالى قتلة أنبيائه وعباده والمفسدين في الأرض، وأقبّل أقدامكم المنغرسة في الأرض، فلا ترتجف ولا تزول من مقامها، ولو زالت الجبال... يا مَن أعرتم الله جماجمكم، ونظرتم إلى أقصى القوم... أنتم القادة، وأنتم السادة، وأنتم تاج الرؤوس، ومفخرة الأمّة، ورجال الله الذين بهم ننتصر».

 

 

[1] سورة الحديد، الآية 4 .

[2] سورة محمّد، الآية 7 .

[3] سورة الإسراء، الآية 81 .

[4]  سورة البقرة، الآية 30 .

[5]  سورة التوبة الآية،14 .

[6]  سورة البقرة، الآية 155 .

[7]  سورة آل عمران، الآية 140 .

[8] سورة آل عمران، الآية 172 .

[9] سورة التوبة، الآية 39 .

مواضيع ذات صلة