البحث المتقدم

البحث المتقدم

هل الذكاء وحده يكفي؟ الميزان الرضوي للعقل المكتمل

0 تقييم المقال

في عصرٍ أصبحت فيه مفردات الذكاء والنجاح والمهارات وتطوير الذات تتصدر المشهد الثقافي والإعلامي، يبرز سؤال جوهري: هل يكفي الذكاء وحده ليكون الإنسان عاقلًا في الميزان الإلهي؟ وهل تقاس قيمة الإنسان بما يمتلكه من قدرات ذهنية ومهارات عملية، أم أن هناك معايير أعمق وأشمل تحدد حقيقة العقل وكماله؟
إن المتأمل في تراث أهل البيت (عليهم السلام) يجد أن مفهوم العقل يتجاوز حدود الذكاء المجرد، ليشمل البناء الأخلاقي والروحي والسلوكي للإنسان. ومن أروع النصوص التي رسمت معالم هذا المفهوم ما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) حين قال:
«لا يتمّ عقل امرئٍ حتى تكون فيه عشر خصال...».
هذه الرواية المباركة لا تتحدث عن حجم المعرفة التي يحملها الإنسان، ولا عن قدرته على التحليل والتخطيط فحسب، وإنما ترسم صورة الإنسان الذي اكتمل عقله من خلال أخلاقه وعلاقته بالله تعالى وبالناس.
الخير والأمان أول علامات العقل
يفتتح الإمام الرضا (عليه السلام) صفات العاقل بقوله:
«الخير منه مأمول، والشر منه مأمون».
فالعاقل الحقيقي هو الذي يأمل الناس خيره ويأمنون شره. حضوره يبعث الطمأنينة، وكلماته تنشر السكينة، وتصرفاته تبني الثقة. أما من يخاف الناس أذاه أو يتوجسون من لسانه وسلوكه، فإن ذلك يكشف خللًا في بناء شخصيته مهما بلغ من الشهادات أو المناصب.
إن المجتمع يحتاج إلى أناس يشعر الآخرون بالأمان في جوارهم، لا إلى أذكياء يستخدمون قدراتهم في الإضرار أو الاستعلاء أو تحقيق مصالحهم الخاصة.
التواضع أمام إحسان الآخرين
ومن أروع ما تضمنته الرواية قول الإمام (عليه السلام):
«ويستكثر قليل الخير من غيره، ويستقل كثير الخير من نفسه».
وهذه من أدق الموازين الأخلاقية؛ فالعاقل يقدّر المعروف مهما صغر، ويشكر صاحبه، ولا يحتقر أي إحسان يصل إليه. وفي المقابل لا يصاب بالعجب بأعماله وإن كثرت، بل يرى نفسه مقصرًا أمام نعم الله تعالى.
إن هذه النظرة تحمي الإنسان من مرضين خطيرين: جحود فضل الآخرين، والاغترار بالنفس.
خدمة الناس شرف لا عبء
وفي زمن أصبحت فيه العلاقات تحكمها المصالح الشخصية، يقدّم الإمام الرضا (عليه السلام) معيارًا راقيًا للعقل بقوله:
«ولا يسأم من طلب الحوائج إليه».
فالعاقل لا يضيق بالناس عندما يلجؤون إليه، بل يرى في خدمتهم فرصة للتقرب إلى الله تعالى. إنه يدرك أن حاجات الناس ليست عبئًا ثقيلًا، بل أبواب خير فتحها الله أمامه ليكون سببًا في قضاء حوائج عباده.
ولهذا كان كبار الصالحين يرون أن أعظم الخسارة أن يغلق الإنسان بابه أمام المحتاجين.
العلم رحلة لا تنتهي
كما يؤكد الإمام (عليه السلام) أن من علامات العقل:
«ولا يملّ من طلب العلم طول دهره».
فالعقل الناضج لا يتوقف عند شهادة أو منصب أو لقب علمي، بل يبقى في حالة تعلم مستمر. وكلما ازداد الإنسان علمًا ازداد إدراكًا لما يجهله، ولذلك كان العلماء الحقيقيون أكثر الناس تواضعًا أمام المعرفة.
إن أخطر ما يصيب الإنسان أن يظن أنه وصل إلى النهاية؛ لأن هذا الظن يقتل روح النمو والتطور.
أولوية رضا الله على المكاسب الدنيوية
وتتناول الرواية ثلاثة مفاهيم قد تبدو للوهلة الأولى غريبة على الفكر المادي المعاصر، وهي:
«الفقر في الله أحب إليه من الغنى، والذل في الله أحب إليه من العز، والخمول أشهى إليه من الشهرة».
وليس المقصود تمجيد الفقر أو المهانة أو الانزواء، وإنما المقصود تقديم رضا الله على كل مكسب دنيوي. فإذا تعارض المال مع المبادئ، اختار المبدأ. وإذا تعارضت الشهرة مع الإخلاص، قدّم الإخلاص. وإذا استدعى الحق تواضعًا ظاهره الذل عند الناس، قبله ما دام يقربه من الله تعالى.
إنها دعوة إلى التحرر من عبودية المكاسب والمظاهر، والانتصار للقيم والمبادئ.
قمة العقل: القضاء على الكبر
ثم يصل الإمام الرضا (عليه السلام) إلى قمة البناء الأخلاقي حين يقول:
«لا يرى أحدًا إلا قال: هو خير مني وأتقى».
وهذه الخصلة ليست دعوة إلى احتقار الذات أو إلغاء الشخصية، بل هي علاج جذري لمرض الكبر. فالعاقل لا يعيش أسير المقارنات والتفوق الوهمي على الآخرين، بل يحسن الظن بالناس، ويتهم نفسه بالتقصير، ويخاف من سوء العاقبة.
ومن هنا يتطهر القلب من الحسد والعجب والتعالي، وتنشأ شخصية متوازنة تجمع بين الثقة بالنفس والتواضع لله تعالى.
العقل في مدرسة أهل البيت
إن الرسالة العميقة التي تحملها هذه الرواية المباركة تتمثل في أن العقل ليس مجرد قدرة على التفكير أو سرعة في الفهم أو براعة في إدارة المصالح، بل هو منظومة متكاملة من الإيمان والأخلاق والتواضع والخدمة والإخلاص.
فالإنسان قد يكون ذكيًا، لكنه مؤذٍ للناس. وقد يكون ناجحًا، لكنه متكبر. وقد يكون واسع المعرفة، لكنه فاقد للحكمة. أما العقل الكامل في ميزان أهل البيت (عليهم السلام)، فهو الذي ينعكس خيرًا على صاحبه وعلى مجتمعه، ويقوده إلى رضا الله تعالى.
وحين نعيد قراءة مفهوم العقل بهذا المنظار، ندرك أن أعظم نجاح يحققه الإنسان ليس في جمع المال أو الشهرة أو النفوذ، وإنما في بناء شخصية يكون خيرها مأمولًا، وشرها مأمونًا، وقلبها عامرًا بالتواضع والإخلاص وحب الخير للناس.
 بقلم: زاهر حسين العبد الله

نعم
هل اعجبك المقال