البحث المتقدم

البحث المتقدم

تجربة توثيق جرائم وانتهاكات حزب البعث في العراق  

1 تقييم المقال

تجربة توثيق جرائم وانتهاكات حزب البعث في العراق  

 

د. رائد عبيس

 

عندما نطالع كتاب السيد صاحب الحكيم الموسوم بـ (تقرير عن اغتصاب، وقتل وتعذيب واعتقال أكثر من 4000 امرأة في بلد المقابر الجماعية العراق) المطبوع عام 2003، نلمس للوهلة الأولى إنسانيته المفرطة تجاه الإنسان بشكل عام، والإنسان العراقي على وجه الخصوص، لا سيما الذين اضطهدوا بشكل بالغ على يد النظام البعثي.

ونحن نشعر بعظيم الامتنان لهذا الجهد والاضطلاع بمسؤولية التوثيق التي بلغت إحاطتها الواسعة، بما توفر من وثائق من العراق وخارجه وعبر وسائل متعددة، اتبعها المؤلف للحصول على ما يثبت إدانة للنظام وحقاً للضحية. ونقدر له مواقفه الرائدة في تتبع حالات انتهاك حقوق الإنسان تجاه المواطن العراقي في الداخل العراقي أو خارج العراق.

هذا التقرير المطول الذي صنف به السيد الحكيم جميع أنواع الانتهاكات وأكثرها غرابة وتفرداً، كان قد ابتكرها النظام البعثي للنيل بها من ضحاياه من الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة، لا سيما وأن كثيراً منهم كانوا من الأطفال والنساء وكبار السن، والذين أُخذوا بجريرة غيرهم، ممن جرّمهم النظام البعثي على أساس التهم التي يختلقها لخصومه.

الكم الكبير من المعلومات الواردة في هذا التقرير المصنف بـ 930 صفحة يختزل تاريخاً من العذاب، وينصف جرائم كثيرة جداً تتجاوز 450-500 عنوان من الانتهاكات التي مارسها البعث بحق من عدهم خصوماً لحزبه ونظامه!

هذا التصنيف الدقيق الملم بكل حيثيات الانتهاكات البعثية، يظهر اهتماماً كبيراً كان قد أظهره السيد الحكيم تجاه أبناء بلده وأبناء جلدته. رافق هذا التصنيف حملات تعريفية عبر وسائل الإعلام، والوكالات الإخبارية، والمنصات الحقوقية، والمؤتمرات، واجتماعات الجمعية العمومية واجتماعات المعارضة العراقية، وكل مناسبة كان السيد الحكيم يستغلها للتعريف بما حلّ بضحايا بلده من قبل النظام البعثي.

اعتمد المؤلف في تجربته التوثيقية الواسعة هذه على مصادر معلومات خاصة من قبل الضحايا أنفسهم وذويهم، أو من قبل معلومات عامة يتداولها الإعلام، أو معلومات توفرها المنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان، مثل: منظمة العفو الدولية، ومنظمة الصليب الأحمر، ومنظمات حقوقية متعاونة على هدف إدانة النظام البعثي وإظهار انتهاكاته الكبيرة التي طالت حتى جيرانه والمجتمع الدولي.

هذا التقرير الذي جمع شتات معلومات عما يخص الآلاف من الضحايا العراقيين، يعطي انطباعاً عاماً عن مصداق الحالة العراقية المرعبة في عهد النظام البعثي، وهو ما كان يُقدّم في تقارير الجمعية العامة للأمم المتحدة في ما يخص حالة حقوق الإنسان في العراق، وهو نفس الجهد الذي قدمه السيد ماكس فان والسيد أندرياس.

السيد الحكيم اختصر تاريخ الاضطهاد البعثي للشعب العراقي في ثنايا هذا التقرير، وقدم شمولية في الإدانة، وعمومية في الحكم، وتطابقاً للحقيقة مع الواقع. ميزة هذا التقرير أنه كُتب بأمانة كبيرة، عبر جمع القرائن لكل حالة ورد ذكرها مما يعزز مصداقيتها أمام الرأي العام.

فضلاً عن المنهجية في استطراد المعلومات عبر تسلسلها الزمني وتركيب ما يتشابه منها على وفق مناسبة الحدث. الواقعية في سرد الحقائق تكشف حرص السيد الحكيم على أن تكون كل حالة من الانتهاك تكفي لأن تكون دليلاً جرمياً على فاعلها.

ما قُدّم في هذا التقرير عجزت عن فعله منظمات حقوقية ومؤسسات كبيرة عالمية وعربية، كانت قد سكتت عن كل هذه الانتهاكات إما بسبب الخوف أو بسبب التواطؤ.

أما الحكيم فقد انطلق من شعوره بالمسؤولية الأخلاقية والشرعية والإنسانية، وامتلاكه وعياً متقدماً عن جيله والأجيال التي تصدى لتدوين ما تعرضوا له، فكانت تجربته لها ميزات فريدة وعميقة في كل مضامينها.

 

نعم
هل اعجبك المقال