البحث المتقدم

البحث المتقدم

٢٧ شوال ١٤٤٧

فلسفة الحياة عند الإمام جعفر الصادق من تفكيك الصراع إلى تحرير الإنسان

ليست كلُّ لحظةٍ تاريخيةٍ تُقرأ بظاهرها؛ فثمّة لحظاتٌ تنطوي على بنيةٍ خفيّةٍ لا تُدرك إلا بمغادرة سطح الحدث إلى عمق المعنى. ومن تلك اللحظات عصرُ جعفر بن محمد الصادق، حيث لم يكن الانتقال من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية تحوّلاً في القيم بقدر ما كان إعادة تموضعٍ للقوة داخل البنية الصراعية ذاتها. وهنا يظهر الإمام لا بوصفه طرفاً في النزاع، بل عقلاً يفكّك منطق النزاع نفسه.

 

لقد أدرك أن المشكلة لا تكمن في "مَن يحكم"، بل في "كيف يُفكَّر"، وأن استبدال سلطةٍ بأخرى لا يساوي تحرير الإنسان، بل قد يعيد إنتاج القهر بأسماءٍ جديدة. لذلك لم ينخدع بشعارات الثورة، ولم ينجذب لبريق السلطة حين عُرضت عليه عبر أبو مسلم الخراساني وأبو سلمة الخلال، فرفض اللقاء وأحرق الكتاب؛ وكأنما كان يحرق وهماً تاريخياً يتكرّر: وهمَ إمكانِ ولادة العدالة من رحم الصراع المسلّح.

 

وفي مقابل هذا الوعي، اندفع آخرون إلى منطق السيف، كأبناء عبد الله بن الحسن المثنى، محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم بن عبد الله، رغم تحذير الإمام؛ فانتهى مشروعهم إلى الفناء، بينما استقرت الدولة الجديدة على أنقاض دماءٍ كثيرة، لتؤكد أن الغلبة العسكرية لا تعني بالضرورة انتصاراً إنسانياً.

 

غير أن المفصل الفلسفي الأعمق لا يقف عند حدود الموقف السياسي، بل يتجاوزه إلى إعادة تعريف معنى "الحياة" نفسها. ففي حواره مع يحيى بن زيد قال: "إنكم دعوتم الناس إلى الموت، ودعوناهم إلى الحياة". ليست هذه مفاضلةً بين أسلوبين، بل تفكيكٌ جذريٌّ لمفهوم الوجود؛ إذ يغدو "الموت" كلَّ مشروعٍ يستهلك الإنسان في صراعٍ لا يُنتج وعياً، وتغدو "الحياة" كلَّ ما يبني الإنسان في عقله وكرامته ووعيه.

 

ومن هنا تتأسّس الفلسفة الصادقية على قاعدةٍ دقيقة:

أن أصل الوجود هو الحياة لا الصراع،

وأن الإنسان غايةٌ لا وسيلة،

وأن أي مشروعٍ لا يحفظ الإنسان—مهما كان شعاره—هو مشروعٌ ضدّ الحياة.

 

ولذلك لم يكتفِ الإمام برفض العنف، بل حذّر من كلّ أشكال التواطؤ مع الظلم، صريحها وخفيّها. كان يقول: "لا تعينوا الظلمة على ظلمهم"، ويؤكّد: "العاملُ بالظلم، والمعينُ له، والراضي به شركاء". وهي قاعدة أخلاقية تُوسّع دائرة المسؤولية لتشمل كلَّ من يسهِم—فعلاً أو قولاً أو رضا—في استمرار الظلم.

 

وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في قصته مع صفوان الجمال، حين سأله عن إكرائه الإبل للحكّام، فلما أجاب بالإيجاب، قال له: "أتحبّ بقاءهم حتى تستوفي كراءك؟" قال: نعم. قال: "فمَن أحبّ بقاءهم فهو منهم". هنا لا يُدان الفعل المباشر فحسب، بل يُدان التعلّق النفسي الذي يجعل مصلحة الفرد مرتبطةً ببقاء الظلم، فيتحوّل—من حيث لا يشعر—إلى جزءٍ من بنيته.

 

ويُعضِّد هذا المنهجَ خطابُ القرآن الذي يحذّر من الركون إلى الظالمين:

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود: 113)،

ويأمر بالتعاون على البرّ لا الإثم:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2)،

ويُعلي قيمة الحياة الإنسانية:

﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ... فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32)،

كما يدعو إلى السِّلم ودرء الفتنة:

﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (الأنفال: 61)،

﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (البقرة: 191).

هذه الآيات لا تؤسّس لأخلاق فردية فحسب، بل ترسم سياسةً للحياة تُقدّم الإنسان وتدفع باتجاه السِّلم وتمنع انزلاق المجتمع إلى دوّامات العنف.

 

ومن هذا الأفق يتجلّى المبدأ المركزي في فلسفة الإمام: فصلُ الذات الإنسانية عن الانتماء العقدي دون إلغاء أيٍّ منهما. فالإنسان—قبل أن يكون تابعاً لعقيدة—هو إنسانٌ خوطب في النصّ القرآني بنداء: "يا بني آدم" و**"يا أيها الناس"**، وهو ما يضع الإنسانية أصلاً جامعاً يسبق الانقسامات. ونجد صدى ذلك في إرث إبراهيم بوصفه رمزاً لوحدة الأصل الإنساني قبل تفرّع الهويات.

 

إن هذا الفصل لا يعني إلغاء العقيدة، بل تحريرها من التوظيف الصراعي، وتحرير الإنسان من أن يُختزل في هويته الضيقة. فإذا قُدِّمت الإنسانية في المجال العام—حيث الجوع والمرض والجهل—أمكن للعقائد أن تتعايش دون أن تتحول إلى حروب، وتحوّلت الطاقات من جدل "مَن الأحق" إلى خدمة "مَن الأضعف".

 

وهنا يتّضح معنى "دعوة الحياة" في أفقها الكامل:

دعوةٌ إلى العلم الذي يحرّر العقل،

وإلى الصحة التي تحفظ الجسد،

وإلى العدل الذي يصون الكرامة،

وإلى الغنى الذي يرفع الحاجة،

وإلى وعيٍ يمنع الإنسان من أن يكون أداةً في صراعٍ لا يملك قراره.

 

لذلك اختار جعفر بن محمد الصادق أن يبني مدرسةً بدل أن يقود ثورة، وأن يصنع وعياً بدل أن يصنع دولة؛ لأنه أدرك أن الدولة التي لا تقوم على إنسانٍ واعٍ ستعيد إنتاج الظلم، أما الإنسان الواعي فيستطيع أن يُنشئ عدالةً حتى في ظلّ واقعٍ معقّد.

 

إنها فلسفة تقلب المعادلة:

لا تبدأ من الحكم لتصل إلى الإنسان،

بل تبدأ من الإنسان لتعيد تشكيل الحكم.

 

وعندها لا يعود الصراع محور التاريخ، بل الوعي؛ ولا تعود الغلبة معيار الحق، بل القدرة على إحياء الإنسان. وهنا تتحقق "الحياة" التي دعا إليها الإمام: حياةٌ لا تُقاس بطول الأعمار، بل بعمق المعنى، ولا تُختزل في البقاء، بل تمتدّ إلى الكرامة والعدل والسِّلم.

وبذلك يغدو الدين طريقاً لإحياء الإنسان، لا ساحةً لإقصائه، وتغدو الإنسانية جسراً للتلاقي، لا ميداناً للصراع.

مواضيع ذات صلة