البحث المتقدم

البحث المتقدم

١٤ ذو الحجة ١٤٤٧

سيرة الشهيد محمد محسن حمد رحم الياسري

وُلد الشهيد محمد محسن حمد رحم الياسري عام (1967م)، في محافظة واسط، في قضاء النعمانية، ضمن بيئةٍ عراقيةٍ محافظة عُرفت بتماسكها الاجتماعي وقرب الناس فيها من بعضهم بعضًا. في تلك السنوات كان العراق يعيش تحولاتٍ كبيرة، وكانت المدن والأقضية تُربي أبناءها على قيم العائلة والكرامة والالتزام، فكبر محمد وهو يحمل ملامح ذلك الجيل الذي شُكّلته الظروف القاسية والمسؤوليات المبكرة.

بدأ محمد مسيرته التعليمية حتى أكمل مرحلة الدراسة المتوسطة، ومع أن تحصيله الدراسي توقف عند هذا الحد، فإن ذلك لم يكن أمرًا نادرًا في زمنٍ كانت فيه ظروف المعيشة ومتطلبات الخدمة والعمل تدفع كثيرًا من الشباب إلى الدخول باكرًا في ميادين المسؤولية. وقد عُرف عنه، بحسب ما يوحي به مسار حياته، الجدية والانضباط، وهي صفات لازمت الكثيرين ممن دخلوا المؤسسة العسكرية في تلك المرحلة.

التحق الشهيد بالخدمة وعمل عسكريًا، ليجد نفسه داخل واقعٍ شديد التعقيد، إذ كانت البلاد في مطلع الثمانينيات تعيش أجواء توترٍ سياسي وأمني واسع. وبالرغم من طبيعة عمله، بقي محمد وفيًّا لقناعاته وانتمائه، إذ كان سبب استهدافه واعتقاله لاحقًا هو انتماؤه إلى حزب الدعوة الإسلامية؛ وهو انتماءٌ كان في ذلك الوقت يُعدّ من أسباب الملاحقة والاعتقال، لا سيما مع اتساع حملات التضييق على المعارضين أو من يُشتبه بارتباطهم بتوجهات سياسية أو دينية لا تنسجم مع سياسات الدولة آنذاك.

كان محمد أعزب، وهو تفصيلٌ يشي بأن سنوات شبابه التي كان من المفترض أن تكون مهيأة لبناء المستقبل وتكوين الأسرة قُطعت مبكرًا بفعل الأحداث. ففي عام (1982م)، تم اعتقاله في مدينة الكوت. إذ لم يكن الاعتقال حينها مجرد إجراءٍ عابر؛ بل كان بداية مرحلةٍ قاسية من الاحتجاز، في زمنٍ لم تكن فيه إجراءات العدالة والحقوق مكفولة كما ينبغي، وكانت التهمة السياسية وحدها كافية لأن تغيّر مصير الإنسان وتدفعه إلى مسارٍ مجهول.

منذ تلك اللحظة، صار اسم محمد واحدًا من الأسماء التي دخلت سجلات الاعتقال، وتحوّلت حياته إلى انتظارٍ طويل بين الجدران، حيث تتبدّل الأعوام ويثقل الوقت، وتبقى العائلة معلّقة بين الأمل والخوف، وبين رجاء الفرج وقلق النهاية. ومع مرور السنوات، ظلّت التهمة الأساسية المرتبطة بانتمائه السياسي تلاحقه، حتى انتهى الأمر بإصدار حكم الإعدام بحقه.

وفي عام (1988م)، ارتقى الشهيد محمد محسن حمد رحم الياسري شهيدًا، بعد تنفيذ حكم الإعدام شنقًا. لقد كانت تلك النهاية من أقسى النهايات، لأنها لا تُنهي حياة فرد فحسب، بل تترك أثرًا ممتدًا في ذاكرة الأسرة والمجتمع، وتحوّل سنوات الاعتقال إلى جرحٍ مفتوح لا يبرأ بسهولة. وهكذا، انطفأت حياة شاب وُلد عام (1967م)، وقُطع طريقه وهو في مقتبل العمر، ليثبت اسمه في سجل الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لقناعاتهم وانتمائهم.

مواضيع ذات صلة