ليس جديدا أن يعلن ترامب الجولان أرضا تابعة للكيان الصهيوني، فقد كان صرح بذلك من قبل، متضامنا مع رغبة إسرائيلية قديمة في ضم الجولان منذ سنة 1981 والتي قابلها المجتمع الدولي بالرفض تحت قرار 497 صادر عن مجلس الأمن، قضى بأنها أرض سورية محتلة، رافضا أية محاولات من جانب المحتل الصهيوني، باعتبارها باطلة وغير قانونية، الرئيس الأمريكي ليس غبيا إلى الحد الذي قد يتبادر لأذهان البعض، ما يجب الانتباه له في أي تصريح له، أظهر فيه عيانا أنه ليس رئيس أمريكا وحدها، بل وأيضا رئيس الكيان الصهيوني، وهمه في تقوية هذا الكيان أكبر من أي عمل يقوم به لفائدة أمريكا، ولا أعتقد أن هناك فرق بين أمريكا وبين إسرائيل، بل لا فرق بينه وبين اسحاق هرتزوق .
إذا ليس جديدا أن يطل علينا ترامب بقرار تعسفي، ينم عن عنجهية واستكبار رجل، ناطق بلسان دولة كبرى، يعتبرها أصحابها الأولى والأقوى في العالم، والتي لها الحق وحدها في التحكم في الدول وشعوبها ومصائرها، كما يحلو لها، تحديا الأعراف الدولية، ودوسا على حقوق الشعوب المستهدفة، ولا عجب فيما تلفظ به ترامب من وقاحة، لا يجرؤ عليها سواه، فقد عبر عن صهيونية أكبر من نزعة أي صهيوني متعصب يعيش داخل الكيان.
وحسب ما خطط له اللوبي الصهيوني، فإن المنطقة بأسرها سيبتلعها الكيان المحتل، تحقيقا لمشروع إسرائيل الكبرى، بعدما مهدوا له بمخطط خطير، تمثل في نزع سلاح المقاومة في غزة وجنوب لبنان، ودون شك فإن دور الحشد الشعبي سيأتي بعد ذلك، ضمن تهيئة الأجواء، للتحكم والسيطرة على شعوب المنطقة، فقد استنفد الغرب برعاية أمريكا، ما لديهم من محاولات تقليم أظافر حركات مقاومة الاستكبار والصهيونية في المنطقة، لم تنجح معهم المواجهات العسكرية، وباءت محاولاتهم في السيطرة عليها وإخضاعها بالقوة بالفشل، مني فيها الكيان الغاصب بهزائم لم يكن يتوقعها، وتملكه نتيجة لتلك المحاولات الفاشلة اليأس والإحباط، حتى بلغ درجة تصريح عناصره بالهروب، ومغادرة شمال فلسطين وغلاف غزة نهائيا.
مخطط واضح المعالم، وسهل كشف أهدافه، ومن لم يبصره من قريب من حكامنا، خصوصا منهم المعنية بلدانهم بالضم، والذين هرعوا امتثالا لأوامر أمريكا إلى التطبيع، ففي بصره عمى العمالة، أو غباء الذين لا يعقلون، من فقدوا ملكة التمييز، بين عدو شحذ أسلحته وأعد عدته، وأظهر من الإجرام ما لم يسبقه إليه أحد، والصديق الذي يقاسمك هم القضية ويعمل جاهدا على الحفاظ عليها، ووضعها في مقدمة اهتماماته، لكي لا تموت كما ماتت همم حكام ميؤوس منهم ومن شعوبهم، إذا صاحوا وأرغوا وأزبدوا بشأن فلسطين، تسمع جعجعة ولا ترى طحنا، لا آذان صاغية لهم ولا شعبية في رصيدهم.
رغبة الرئيس الأمريكي في ضم الجولان السوري المحتل أبداها يوم 21 مارس 2019 بمرسوم رئاسي أمضاه بمناسبة زيارة رئيس حكومة الكيان الصهيوني ناتنياهو إلى أمريكا، وكان الهدف منها إعطاء الكيان المحتل دفعا معنويا، يمهد لإلحاقه الأرض السورية بسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقبل ذلك التاريخ، لا يمكن أن نتغافل على عمليات تهويد الجولان المتواصلة، ويبدو أن تجديد الرئيس الأمريكي لأمنيته في رؤية كيانه المحبوب متوسعا في الجولان، مادًّا عروق احتلاله على قراها وكامل مساحتها، حان حينها لإعطاء حكومة الكيان الصهيوني دفعا معنويا، فحكومة الجولاني أظهرت خضوعا واستسلاما كاملا لمشيئته، كل همها الغاء قانون قيصر المسلط على سوريا، وإن ديست الأرض وانتهكت كرامة جنوب سوري، أصبح مهيعا ترتع فيه قطعان القوات الصهيونية كما تريد وتشتهي من دون أن يعرضها أحد من النظام الجديد، المرضي عنه أمريكيا وصهيونيا، وهكذا يراد لباقي الدول العربية الخضوع والاستسلام لمشيئة الجلاد يفعل بهم ما يشاء.
اللوم ليس على أعداء شعوبنا فيما فعلوه بحقوقنا، فذلك شأنهم ودأبهم الذي يعيشون عليه، ولا غرابة فيما صدر منهم، لكن اللوم كل اللوم على أنفسنا كيف فرطنا نحن بحقوقنا حتى سلمنا زمام أمورنا إلى حكام لا أهلية لهم ولا قيم ولا وطنية، عملاء في أبواب مزيفة، تراها شعوبهم بأعين الشرعية السياسية، وهي واقعًا حكومات عمالة لا تقيم وزنا لإرادة شعوبها، والأسماء معروفة ولا تحتاج إلى تقذير مقالنا بأسمائهم، يكفي أنهم ملعونين في الأرض من طرف أصحاب الحقوق المهدورة، وملعونين في السماء من الذي لا يرد بأسه عن الظالمين.
تكرار رغبة ضم الجولان مكررا من طرف الرئيس الأمريكي، مع ضم الضفة الغربية، يؤكد أن مخطط إسرائيل الكبرى ماض في طريقه، من دون معارضة تذكر، ولا قيمة لمواقف العالم، بشأن هذا الضم القسري، فنحن نعيش عصر من امتلك القوة، وفرض إرادة دولته على بقية الدول، يكون له قرار التنفيذ وتحقيق الرغبة، وإن كان فيهما حيفا وظلما، وهذا منطق أمريكا الأرعن الذي بدأ يتعاظم بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه مع ذلك يبقى التذكير بأن إرادة الشعوب الحرة هي التي ستقرر مصيرها، كما فعلت من قبل كوبا وفيتنام وإيران، وسيكتب عار جديد على جبين تمثال الحرية بأمريكا، بإمضاء رئيسها الصهيوني.
جدير بالذكر، أنه منذ 1967 خرجت الجولان من سلطان النظام السوري، ثم بعد ذلك بستة سنوات حرر الجيش جزءا منها وهي القنيطرة، في حرب أكتوبر 1973، ويبدو من كلام الرئيس الأمريكي من خلال تحديده لفترة 52 عاما على تأخر ضم الجولان إلى الكيان الصهيوني، إشارة منه أنه يقص الجولان كاملة، بما فيها الجزء المحرر، الذي بسطت القوات الصهيونية نفوذها العسكري عليه، دون أي مواجهة تذكر، ولا إطلاق حتى رصاصة واحدة، وهذا لعمري منتهى سقوط حكم، لم يحرك ساكنا تجاه ما يتعرض له جنوب بلاده، بل ظهر من تعانيه السلبي هذا، أنه دليل لا يقبل الشك، في أنه لم يكن له أن يستولي على الحكم في سوريا، من دون تفاهمات وموافقات أمريكية صهيونية، وتواطؤ تركي ودعم دول الخليج المطبعة، تعودنا عليه بخصوص فلسطين، وما تستوجبه من مواقف جادة، من أجل استعادة حقوقها الشرعية، وتركيا وشركاؤها اليوم كما بالأمس أصدقاء إسرائيل ولهم معها مصالح مشتركة، يرونها أهم من فلسطين وحقوقها.




تقييم المقال


