مقدمة:
في زمنٍ تتكاثر فيه الخيارات والملذّات والشهوات، رغم ذلك تضيق فيه الصدور، يعيش كثيرٌ من الشباب فراغًا روحيًا صامتًا؛ لا يُرى في المظاهر، ولكن يظهر بتمثّلاتٍ في القول والفعل، مثل: أشعر بالملل، وعدم الراحة، وعدم السكينة، لذلك يُرهق أرواح الشباب من الداخل. فيكون عندهم حالةُ فراغِ معنى في الحياة، لا فراغُ وقتٍ فحسب، وقلقُ بوصلةِ فكرٍ لا قلّةُ إمكاناتٍ متاحة.
وقد وضع القرآن يده على أصل هذا الداء حين قال:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٤)
وهذه الآية تبيّن حالة الفراغ الروحي التي يشعر بها الشباب إذا ابتعد عن ذكر الله في كل شؤون حياته. ولذا ذكر الله سبحانه من أهم دعائم الاستقرار الروحي والنفسي لمواجهة ضغوط ومتغيرات الحياة، كما قال تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28)
فالطمأنينة ليست ثمرة الامتلاء الخارجي، بل نتيجة صلةٍ صحيحةٍ بالله سبحانه ومشروعه في الحياة. وحين تنقطع هذه الصلة، تظهر بصورٍ أبرزها «المعيشة الضنك» مهما اتّسعت الحياة، كما في قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (طه: 124)
وسيكون البحث حول
1- الفراغ الروحي: تشخيص قرآني وواقع مُعاش.
2- الإمام المهدي (عج): حضور المعنى لا غياب الشخص.
3- الأمل المهدوي: وعدٌ إلهي لا تعزية عاطفية.
4- الانتظار: من سكونٍ مُعطِّل إلى طاقةٍ مُحرِّكة.
5- الاستعداد الدائم: حين تتحوّل الغيبة إلى مشروع حياة.
١- الفراغ الروحي: تشخيص قرآني وواقع مُعاش
القرآن الكريم لا يفسّر القلق بوصفه حالةً نفسيةً عابرة، بل نتيجة فقدان الوجهة الصحيحة التي لا بد أن يسلكها لصلاح نفسه، كما قال تعالى:﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
فالإنسان إن لم يتعلّق بمعنى أعلى وقدوةٍ أَجلى تمثّل مظهر الأمن والأمان له، كالنبي الأعظم محمد وآل محمد وأهل بيته عليهم السلام، وما يمتازون به من تكاملٍ روحيٍّ ونفسيٍّ وعقلانيٍّ واجتماعيّ، استهلكه الحاضر بثقله وضجيجه. فهنا لا تكفي الوعود السريعة ولا المتع المؤقتة؛ لأن الجوع جوعُ روح، لا نقصُ أدواتٍ في الخارج. ولذا نحتاج دائمًا لوجود النموذج الأكمل كي يروي ذلك العطش الروحي، والمتمثّل في مولانا صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه.
٢- الإمام المهدي (عج): حضور المعنى لا غياب الشخص
الإيمان بـ الإمام المهدي (عج) ليس فكرةً مؤجَّلة، بل حضورٌ غيبيٌّ فاعل يربط الأرض بالسماء ويمنح القلب يقينًا بأن العالم غير متروك، ولا مُهمل، بل هناك من يحفظ بهم الوجود من أن تسيخ الأرض ومن عليها بسبب لا يوجد من خلق الله سبحانه وتعالى غير المعصومين يستحق وجوده، كما أكدت الروايات الشريفة على ذلك. حيث ورد عن مولانا
الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن جدّه علي بن الحسين (عليه السلام)
قال: «نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجّلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وينشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت الأرض بأهلها. ثم قال: ولم تخلُ الأرض منذ خلق الله آدم من حجةٍ لله فيها، ظاهرٍ مشهور أو غائبٍ مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله، ولولا ذلك لم يُعبد الله». (١)
وعن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): اللهم إنك لا تُخلي الأرض من حجةٍ لك على خلقك، ظاهرًا معروفًا أو خائفًا مغمودًا.(٢)
فوجود الحجّة (عليه السلام) جعله الله سبحانه أمانٌ كونيٌّ للوجود، وأثره في النفس أمانٌ داخليٌّ للمؤمن الذي يتبع تعاليم القرآن الكريم والعترة الطاهرة. هذا الشعور يبدّد العبث، ويثبت أن للحياة قائدًا، وللعدل موعدًا.
٣- الأمل المهدوي: وعدٌ إلهي لا تعزية عاطفية.
الأمل في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وعدٌ إلهيٌّ قرآنيٌّ قبل أن يكون شعورًا:
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5)
ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) إن المستضعفون في الآية هم آل محمد (عليهم السلام) حينما سُئل عن ذلك
قال: «هم آل محمد، يبعث الله مهديهم بعد جهدهم فيعزّهم ويذلّ عدوّهم».(٣)
بهذا الأفق العالي من الأمل والرجاء، لا يُسحق الشاب تحت وطأة الواقع المتصارع المشحون من الشهوات واللهوات؛ لأنه يرى نفسه في مسارٍ أطول من اللحظة واللذة المزيفة، لأنه يقرأ الألم بوصفه مرحلةً مؤقتةً في حياته ستنتهي، لا خاتمة المطاف في حياته.
٤- الانتظار: من سكونٍ مُعطِّل إلى طاقةٍ مُحرِّكة.
الانتظار ليس تعليق الحياة أو تعطيلها على الغيب، بل تحويل الغيب فيها إلى مسؤولية يجب معرفة معالمها كي يكون مستعدًا، ولذا أشارت بعض الروايات لذلك المعنى.
قال الإمام الصادق (عليه السلام):
فعن محمد بن عيسى، عن الحرث بن مغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)
قال: «ألا أخبركم بما لا يقبل الله عز وجل من العباد عملًا إلا به؟ فقلت: بلى،
فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده (ورسوله)، والإقرار بما أمر الله، والولاية لنا، والبراءة من أعدائنا – يعني الأئمة خاصة – والتسليم لهم، والورع والاجتهاد، والطمأنينة، والانتظار للقائم (عليه السلام)،
ثم قال: إن لنا دولةً يجيء الله بها إذا شاء، ثم قال: من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدّوا وانتظروا، هنيئًا لكم أيتها العصابة المرحومة».(٤)
فالانتظار الواعي عبارة عن:
* تزكيةٌ للسلوك، وترتيبٌ للفكر والعقل والعاطفة، والإصلاحٌ يبدأ من الدائرة الصغيرة وهي الذات، ثم ينفتح على المجتمع.
هنا يتحوّل التعلّق بالإمام (عج) من حنينٍ وجداني إلى مشروعٍ بالمسؤولية، وترجمته عملٌ يوميٌّ يقوم به في مختلف حياته.
٥- الاستعداد الدائم: حين تتحوّل الغيبة إلى مشروع حياة.
الخلاص لا يُستقبل بقلوبٍ خاويةٍ جوفاء لم تذق طعم الإيمان والتسليم، بل بنفوسٍ مُهيّأةٍ امتلأت إيمانًا وتسليمًا وتصديقًا بوعد الله سبحانه لخلاص هذه الأمة من ظلمات الجهل إلى نور العلم والمعرفة، ولهذا جاء التنبيه العلوي:
«كان عليه السلام يقول: إنما أخشى عليكم من بعدي اتباع الهوى، وطول الأمل، فإن طول الأمل يُنسي الآخرة، واتباع الهوى يصدّ عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، والآخرة قد جاءت مقبلة، ولكل واحدةٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل، واليوم المضمار، وغدًا السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار».(٥)
تُبيّن هذه الرواية مخاطر وخدع الحياة وكيف التعامل معها، ثم تختم بأنها سباق، الفائز فيه من قدّم طاعة الله على هواه. فكل مجاهدةٍ للنفس، وكل صدقٍ في زمن الالتباس، وكل موقفِ حقٍّ صغير، هو تمهيدٌ صامت لدولة العدل الإلهي، وبناءٌ للإنسان القادر على حملها.
خاتمة:
حين يشتدّ الفراغ في الداخل، وحين يتعب القلب من الدوران بلا معنى، لا يأتي الإيمان بالإمام المهدي (عج) هروبًا من الواقع، بل عودةً إليه بطمأنينةٍ ووعيٍ ومسؤولية. هو أملٌ لا يُخدِّر، وانتظارٌ لا يُعطِّل، وطاقةٌ تُحوِّل القلق إلى فعل، والفراغ إلى معنى. من عرف إمامه لا يَضِيع في الزحام، ولا في الضجيج الإعلامي، ولا ينهزم في العتمة، بل سار في درب الهداية… وهو يعلم أن الفجر قريب، ليرفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله، وأن الوعد آتٍ، وأن الله لا يُخلف الميعاد. فعلينا أن نتمسّك ونردّد هذا الدعاء في طوفان الشهوات، المروي عن
بسندٍ معتبر أن الشيخ أبا عمرو النائب الأول من نوّاب إمام العصر (صلوات الله عليه) أملى هذا الدعاء على أبي علي محمد بن همّام، وأمره أن يدعو به،
وقال: إذا كان لك عذر عن كلّ ما ذكرناه فاحذر أن تُهمل هذا الدعاء، فإنّا قد عرفناه من فضل الله جلّ جلاله الذي خصّنا به، فاعتمد عليه، وهو هذا الدعاء:
«اللهم عرّفني نفسك، فإنك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف رسولك، اللهم عرّفني رسولك، فإنك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرّفني حجتك، فإنك إن لم تعرّفني حجتك ضللتُ عن ديني».(٦)
والحمد لله رب العالمين.
زاهر حسين العبدالله
المصادر
١-الاحتجاج – الطبرسي – ج٢ – ص٤٨.
٢- فرق الشيعة – حسن النوبختي – ص١٠٩.
٣- الغيبة الطوسي: ص 113.
٤- الغيبة، النعماني: ح 16، ب 11، ص 200.
٥- خصائص الأئمة (ع) (خصائص أمير المؤمنين)، السيد الشريف الرضي، ج١، ص٩٦.
٦- كمال الدين: ٣٤٢ و٣٤٣ / باب ٣٣ / ح ٢




تقييم المقال

