البحث المتقدم

البحث المتقدم

الاعتراف بالحق صعب

0 تقييم المقال

تربطني علاقات طيبة مع بعض المسيحيين هنا في أوربا. بعضهم مثقف دينيا، وبعضهم سطحي بسيط يُردد ما يسمعهُ. وكنّا نلتقي في أحد الأماكن كعراقيين وعرب ومن مختلف الأديان والمذاهب. وفي بعض الأحيان يدور نقاش بهدوء. أحد هذه النقاشات أن مسلما طرح آية قرآنية كرد على قول أحد المسيحيين، فرد عليه المسيحي بأنه لا يعترف بالقرآن ولا يُمثلهُ، لأنهُ ليس مسلم.

صحيح أن أليهودي والمسيحي لا يؤمنون بالقرآن وبالتالي لا يُمكن الاحتجاج به عليهم. ولكن عندما يوجه القرآن اتهامًا إلى اليهود أو النصارى، ثم تجد لهذا الاتهام نظيرًا لهُ في الكتاب المقدس. هنا لابد للمسيحي أن يتوقف ويتأمل، لأنهُ أمام خيارين. إما أن يرفض كلا النصين وبذلك يكون قد كفر بكلا الكتابين. وإما أن يعترف للقرآن بالصدق.

مثلا القرآن يتهم اليهود بأنهم قتلة الأنبياء. ولكننا نجد هذا الاتهام نفسه يوجههُ كتابهم المقدس لهم فيصفهم بأنهم قتلة الأنبياء. فعند ذلك لابد لليهودي أو المسيحي أن ينظر في حال كتابه، ويقرّ للقرآن بالصدق.

مثلا القرآن يتهمهم بقتل الأنبياء كما في سورة البقرة : 91 فيقول لهم : (تقتلون أنبياء الله).

: (ثم نجد نفس هذا الاتهام في كتابهم المقدس الذي يتهمهم فيه أيضا بأنهم قتلة الأنبياء كما في إنجيل متى 23: 31 حيث يصرخ في وجوههم السيد المسيح (ع) ويقول لهم: (أنكم أبناء قتلة الأنبياء). فهنا يكون النص القرآني مُلزِم لهم لأنهُ لم ينفرد بهذا الاتهام وجاء متوافقا مع ما يتهمهم به كتابهم المقدس . وهكذا بالنسبة للتحريف فإن القرآن يتهمهم بالتحريف كما يقول في سورة البقرة : 75. (يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون). يعني اتهام مباشر بأنهم يُحرفون كلام الله عامدين متعمدين. ونجد نفس هذا الاتهام في الكتاب المقدس يوجهه الله لهم فيقول في سفر المزامير 56: 5 (اليوم كله يحرفون كلامي. علي كل أفكارهم بالشر). فكلمة يُحرفون وردت في كلا الكتابين وبنفس اللفظ . وأما جملة : اليوم كلّه يُحرفون ، تعني انهم يجلسون من الصباح إلى المساء يُحرّفون كلام الله.

وهناك أمور كثيرة أشار لها القرآن تجد لها شواهد في كتابهم المقدس تنطق بصدق القرآن . فإذا تطابقت الأقوال فليس للإنكار مجال. ففي القرآن والكتاب المقدس توجد عشرات النصوص التي تتطابق فإذا لم تعترف بها أيها المسيحي في القرآن على قولك بأنهُ غير ملزم لك ، وجب عليك إنكارها أيضا في كتابك المقدس. لربما في بعض الأحيان بعضهم يقول لي : (كيف تعرف ما في كتابنا المقدس). أقول لهم بأن القرآن عندما أمرني أن أجادل أهل الكتاب أصبح لزاما علي أن اقرأ ما عندهم وأرى ما يؤمنون به ثم أبدأ معهم النقاش لأن معرفة ما في كتبهم واستخدامه في أي نقاش معهم سيكون مُلزما لهم. فيقول لي بعض المتحذلقين منهم لما أعياهم الجواب : ولكن القرآن اقتبس من الكتاب المقدس. فأقول له : عجيب أمركم . كيف يقتبس القرآن من كتب يتهمها بالتحريف. وهنا يكون صمتهم قاتلا.

في الحقيقة صحيح أنهم لا يملكون جوابا وفي كل مرّة أفحمهم وأخجلهم ، ولكنهم لم يوجهوا لي تكفيرا أو شتما. بل أغلب جوابهم هو الصمت. وعندما يروني في الشارع لا يُديرون وجوههم ، بل يُسلمون ويبتسمون، لأن الحق أبلج يؤسر الأفكار وينتزع الإعجاب.(1)

العقائد حتى لو كانت باطلة ، فإن التخلي عنها صعب، إلا من أراد الله تعالى به خيرا.

1- هذا مثل عربي مشهور (الحق أبلج والباطل لجلج). وهي حكمة نطق بها أكثم بن صيفي أشهر حكماء العرب في الجاهلية على الإطلاق، وتعني : الحق واضح ساطع ، ونقي لا غبار عليه ، بينما الباطل مضطرب، ملتبس وغير مستقر. وهو للدالة على قوة الحق ووضوحه وضرورة انتصاره، مقابل زيف الباطل وزواله. عاش اكثم بن صيفي اكثر من مائتين عام ، أدرك بعثة النبي وأسلم ، وقد وصف طول عمره في قصيدته:

وإن امرأ عاش تسعين حجة ــ إلى مائةٍ لم يسأم العيش جاهل

أتت مائتان غير عشر وفاتها ــ ذلك من مر ا لليالي قلائل.

نعم
هل اعجبك المقال