البحث المتقدم

البحث المتقدم

لماذا يخشى الطغاة إحياء ذكر الحسين (عليه السلام)؟

0 تقييم المقال

 

هاشم الصفار

  إنّ تاريخ الطغاة يدل على وضاعتهم وانحلالهم ومعاناتهم من عقدة النقص الأخلاقي (عقدة النقص والخوف من المتكاملين)؛ فالحكام الظالمون إمّا من سلالة غير شرعية، وغير طاهرة، أو احتضنتهم بيئاتهم الفاسدة؛ فهم ينتقمون من المتكاملين النورانيين الإلهيين، منذ أن ذُبح يحيى بن زكريا، ومنذ أن قُتل الأنبياء (عليهم السلام)، على أيدي اللعناء؛ لذلك أوصل الحسين (عليه السلام) هذا المعنى للمجرمين حين قال: «انسبوني من أنا، ثم انظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي...»، ومن قبلها قولته الخالدة - وكل أقواله باقية خالدة؛ دستورًا للأحرار أبد الدهر - لوالي المدينة الذي طلب منه البيعة ليزيد: «إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرَّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله...»؛ فهذان الخطان لا يلتقيان؛ خط النور وخط الظلام: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [سورة الأحزاب: 4]؛ فلا يجتمع الإيمان بالحسين ودستوره النقي، وموالاة يزيد في قلب واحد.

 ومنذ الصغر ونحن نرتاد المجالس الحسينية، ونتزود من تلك النهضة العالمية معاني الثورة ضد الظلم والطغيان، في مسار واحد مع الدمعة والمواساة لتلك الأشلاء الطاهرة المقطعة على رمضاء كربلاء. وحضور تلك المجالس أيام المنع والحظر من قبل أزلام الطاغية المقبور، هو إصرار على حقنا الشرعي والإنساني والقانوني في مزاولة شعائرنا ومعتقداتنا وطقوسنا الخاصة؛ فهو حق إنساني وليس فيه إساءة للقانون، كما نسمع الآن في بعض الدول المطبّعة مع الكيان الصهيوني من منعهم لطقوس عاشوراء، ومعاقبة مقيميها بالسجن والتعذيب والتنكيل؛ بحجة أن تلك الشعائر طائفية وتثير الفتنة وتخالف القانون؟! هل لأن الحسين هو ابن الإمام علي الذي قلع باب خيبر، وأذاق اليهود المعاندين شر هزيمة؟ أم لأنّ قضية الحسين تقتح أبواب المقاومة ضد الغطرسة الصهيونية الأمريكية، وتصدّر للأجيال شبابًا يلبسون القلوب على الدروع، كما فعل أبناء الحشد المقدس الذي التحقوا بركب الفتح، ركب سيد الشهداء (عليه السلام)، وأعادوا للعراق وجهه الناصع، وجه الحضارة، وجه الموت بشرف؛ دفاعًا عن العرض والأرض والمقدسات.

 نعم، في تلك الفترة - فترة المنع البعثي للشعائر، وزجه للأحرار في السجون وأحواض التيزاب - لم نكن نحيل مسألة الحب الحسيني إلى المآل والجنة والثواب الأخروي بقدر ما يتعلق الأمر بحب الحسين على الفطرة، وأنّه (عليه السلام) شهيد العبرة، ما ذكره مؤمن إلا استعبر؛ وهذا المعنى ورد في كتاب كامل الزيارات عن أبي بصير قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): قال الحسين بن علي (عليهما السلام): «أنا قتيل العَبرة، لا يذكرني مؤمنٌ إلا اسْتَعبَرَ»، وهذا الاستعبار هو ارتباط وجداني أبدي بين الموالين وسيد الشهداء (عليه السلام)؛ فهذا الحضور القوي والإصرار على إقامة المجالس الحسينية واللطميات وركضة طويريج وغيرها من الطقوس العاشورائية رغم المنع والمراقبة من قبل أجهزة القمع الأموية والعباسية والصدامية، هو سر إلهي يضعه الله سبحانه في صدور شيعة علي (عليه السلام)، وصدور أقوام جُبلوا على حب الحق، وحب الأحرار والثائرين من كل القوميات والطوائف، ابتداء من الراهب الذي طيّب الرأس الشريف وجعله في حجره يبكيه الليل كله، حتى ترك الدير، وصار في خدمة آل الرسول وحرمه (صلوات الله وسلامه عليهم).

 وحين كان الطغيان البعثي قد بلغ أوجهه في مطاردة مقيمي الشعائر الحسينية، وزجهم في سجون التعذيب والإعدامات، كنا نتساءل: لماذا يحارب الطاغية صدام وأزلامه شعائر الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وما الذي يمكن أن تفعله تلك الجموع المعزية الباكية على ريحانة رسول الله (ص) لهذا الأرعن المجنون بالسلطة وسفك الدماء، وهي بلا سلاح، وبلا عدة، وبلا تخطيط، وبلا منظومة انقلابية مولعة بالحكم، بل هي مجرد مشاعر محبة لأهل بيت النبوة (عليهم السلام)، تحمل فكر المودة لذوي القربى، يحيون أمرهم، يبكون لمصابهم، ويحاولون جعل تلك المناسبات مدارس وعي وتوجيه لبناء أجيال حسينية ترفض مصادرة النفوس، ونهب الأرواح على الظنة والشبهة، وترفض الظلم والاستبداد ومصادرة الأموال والأصوات، وترفض الطائفية المقيتة؛ طائفية السقائف والمؤامرات التي مزّقت الأمة الإسلامية، بالتعاون مع الصهاينة وأدواتها الرخيصة.

لذلك شكّل عناد الحسينيين وإصرارهم على مرور العصور على إحياء ذكر الحسين (عليهم السلام) كابوسًا مزعجًا يقضّ مضاجع الظالمين الذين يريدون شعوبًا ذليلة مستسلمة خانعة مطبعة مع الباطل، تائقة لفتات موائد الجلادين، ويخشون أبد الدهر التربية الحسينية الجهادية التي خرّجت لنا أسود الطف، وأسود كل الثورات اللاحقة التي رسمت خارطة الطريق لحياة العزة والكرامة.

 

نعم
هل اعجبك المقال