البحث المتقدم

البحث المتقدم

تجليات النهضة الحسينية.. مواقف ومواجهات

0 تقييم المقال

 

هاشم الصفار

عند دراسة أبعاد الخطاب الحسيني منذ نهضته المباركة، وتحديه للسلطة الأموية؛ سلطة الجور والطغيان، نجد حالة من التهيئة والإعداد لجيل ثائر يصدح بالحق في كل الميادين؛ فلم تكن تلك الخطابات تحرك الحماس وجذوة الثورة في جسد الأمة الإسلامية فحسب، بل كانت بعدًا مستقبليًّا يستشرف الأدواء التي ستصيب العالم، ثم الدواء الناجع لها بالوعي واليقظة، وعدم الركون للجهل والطمع والخوف والخنوع التي تعد أدوات كل حاكم جائر عبر التاريخ، يسيطر بها على قطيع المطبعين الخاضعين له، ويحركهم يمينًا وشمالًا حسب ما ترتضيه نزواته ونزعاته الشريرة؛ فكيف إذن سيطر هتلر وستالين وصدام المقبور وكل قادة أمريكا الطغاة على جموع القطيع التي كانت تتبعهم، وإرسالهم إلى محارق الموت والدمار، سيطروا بالكذب والتضليل وتشويه الحقائق، وإشاعة الجهل والخوف، والاعتماد على القتلة والمجرمين في تنفيذ مخططاتهم ضد الشعوب التي يحكمونها قبل أن تمتد أيديهم إلى أعدائهم؛ فقد شرع كلهم بإبادة رفقاء الدرب قبل منازلة الآخرين، فلا أمن ولا أمان مع من ركبت عقولهم وأرواحهم الشياطين؛ فكانوا جزءا من حالة الشر في العالم، وزادوا من مساحات الظلام والدمار كما حصل في كوارث هيروشيما وناكازاكي، وفيتنام والعراق وأفغانستان وسوريا وليبيا واليمن وجنوب لبنان، وغيرها كثير من الآفاق التي عانت ويلات الفكر التدميري العبثي لهؤلاء المرضى المتعطشين للدماء.

 إذن، كان الحسين (عليه السلام) في صراعه مع قوى الشر الأموية يصارع قوى الشر بكل استباقاتها المستقبلية؛ فهو إمام يعلم بما أوحي إليه من علوم الغيب أن الشر لا ينفك يحاول تقويض أبنية الهدى، وأن الصراع سيبقى قائما مع من طردهم رسول الله (ص) حتى جمعوا وأعدوا العدة في كل زمان ومكان للسيطرة على العالم، وتدمير الأديان والتعليم والفكر الحر؛ على الرغم من وعد الله سبحانه بعذابهم المستمر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ سورة الأعراف: 167.

 وسنقف على بعض المواقف التي كانت نتيجة المواجهات المباشرة بين ممثلية النهضة الحسينية والخط المعادي لها:

بكاء مسلم بن عقيل (عليه السلام):

تهيأت لمسلم بن عقيل (عليه السلام) كل أسباب النهضة ضد الغطرسة الأموية في الكوفة، لكن شاءت الظروف ومكر وخديعة ابن زياد في صرف وجوه الناس عن العبد التقي مسلم بن عقيل (عليه السلام)، وأدى الحال إلى اعتقاله غدرًا بعد أن أوقع فيهم القتل، ونكّل بهم تنكيلًا.

 والمسألة التي نريد الوقوف عليها هي قول أحد المجرمين وهو يرى مسلم بن عقيل (عليه السلام) يسترجع ويبكي، فقال له: "إنّ من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزلَ به مثل الذي نزل بك لم يبكِ"! فقال له مسلم (عليه السلام): "إني والله ما لنفسي أبكي، ولا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إلي، أبكي لحسين وآل حسين (عليهم السلام)"؛ فالقول الأول نابع من سيطرة مفهوم الصراع على السلطة، وأنّ مسلم بن عقيل (عليه السلام) ما هو إلا طالب منصب وجاه وسلطة، وأنّ بكاءه هذا هو خلاف من يقدم على أمر جسيم؛ فالحكم والسلطة والتنازع عليها هي مدعاة لقطع الرؤوس والأيدي والأرجل وسفك الدماء، ومعاداة الأهل والغرماء، وهذا ما نفاه مسلم بن عقيل (عليه السلام) ودفع عن نفسه هذه الشبهة بأنه ما على نفسه يبكي، ولكن يبكي على أهله القادمين إلى الكوفة بطلب من أهلها، يبكي حسينًا وآل حسين (عليهم السلام) الذين قدموا لإشاعة العدل والأمان والمساواة بين الرعية، ولكن لا عهد ولا شرف ولا مواثيق لمن باع آخرته بالثمن الأوكس.

موقف الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) أمام الطاغية ابن زياد:

وهل مثل الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) تدور به دوائر الدنيا الدنية ليقف أمام الطاغية ابن زياد؛ حيث تجلى الطهر كله أمام الوضاعة والدناءة كلها، فقال له بكل ثبات الأنبياء (عليهم السلام): "أبالقتل تهدّدني! أما علمتَ بأنّ القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة". إنه (سلام الله عليه) ينظر من زاوية كونه على الحق يمضي إلى سبيل ربه (عز وجل) بيقين وعزم لا يلين، كما قال أخوه علي الأكبر (عليه السلام): "ألسنا على الحق؟ إذن، لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا"، فأقصى ما عند الطغاة وحكام الظلم والجور هو التهديد بالقتل، وما قبل القتل من تعذيب مروع، فحجتهم ميتة وأدتها سيرتهم الملطخة بدماء الأبرياء.

موقف عبيد الله الأزدي وحلم الشهادة:

المجرم ابن زياد ينال من الحسين (عليه السلام) في جامع الكوفة، فيقوم إليه عبد الله بن عفيف الأزدي (رحمه الله)، وقد ذهبت عينه اليسرى في يوم الجمل والأخرى في يوم صفين، فقال: "يا بن مرجانة! الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك ومن استعملك وأبوه، يا عدو الله، أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المؤمنين؟" هذه التربية تربية علي بن أبي طالب (عليه السلام) تربية الحسين والطف ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمن يدري ما يصيب الإنسان في المستقبل من ابتلاءات النواصب والمعادين لخط أهل البيت (عليهم السلام)، فهل كانت ستنفع عبيد الله بن عفيف الأزدي صلاته في مسجد الكوفة إلى الليل، بعد أن يئس من الشهادة في صفوف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو يعلم أن أعظم الجهاد هو كلمة حق أمام سلطان جائر؟ فنطق بالحق، بعد أن أعمى الناس الخوف وابتغاء السلامة، فتحقق له ما كان يرجو من حلم الشهادة على أيدي اللعناء، فقال قبل أن يلتحق بربه (عز وجل): "الحمد لله رب العالمين! أما إني كنت أسأل ربي (عزّ وجلّ) أن يرزقني الشهادة، والآن فالحمد لله الذي رزقني إياها بعد الإياس منها، وعرفني الإجابة منه لي في قديم دعائي!". فما أعظمها من أمنية وهي الشهادة، وبلوغ الفتح مع أصحاب الحسين (عليه السلام) ومع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

 

 

نعم
هل اعجبك المقال