البحث المتقدم

البحث المتقدم

٠٦ ربيع الأول ١٤٤٨

سد العظيم شاهداً.. حين استعادت القوات العراقية أرضها بالصبر والتخطيط

 

#مؤسسة_الوافي_توثق

على مسافة مئة وعشرين كيلومتراً شمالي بغداد، حيث يلتقي نهر العظيم برافده الرابع من نهر دجلة، تقف ناحية العظيم عقدةَ مواصلاتٍ تربط كركوك بالعاصمة، وتفصل صلاح الدين عن ديالى بجدار مائي شيّد عليه سدٌّ حمل اسم النهر نفسه، هذا الموقع الجغرافي الحيوي، الذي جعل من الناحية شرياناً تجارياً واقتصادياً لأهالي الإقليم، هو ذاته ما جعلها هدفاً استراتيجياً لتنظيم داعش الإرهابي، حين اجتاحها وأغلق طريقها الحيوي أشهراً طويلة، فتوقفت الشاحنات، وتعطلت حركة النقل، وذاق المواطنون مرارة العزلة عن عاصمتهم.

لم يكن احتلال داعش لناحية العظيم غاية بذاتها، بل نقطة انطلاق نحو مشارف بغداد، ومعبراً يربط جيوب التنظيم في بغداد وكركوك وصلاح الدين بعضها ببعض. قدّرت الاستخبارات العسكرية عدد المسلحين المتمركزين هناك بما بين ثلاثمئة وأربعمئة عنصر، يتنقلون بين الناحية ومنطقة السد وفق مجريات المعركة.

سبعة أيام مرت على سقوط الناحية قبل أن تقف قيادة عمليات دجلة أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا المبادرة الفورية بهجوم قد يُوقع القوات في فخاخ الطرقات والعبوات الناسفة التي أعدّها العدو سلفاً، أو التمهّل لإعادة تنظيم الصفوف واستبدال القيادات وصياغة خطة عسكرية شاملة. اختارت القيادة الحكمة على العجلة، فاستبدلت بعض القادة، وأجرت مشاورات موسّعة مع قيادات الحشد الشعبي الذين أعلنوا استعدادهم التام للتضحية. وتحوّل معسكر "أشرف" – الذي كان يوماً معقلاً لجماعة "خلق" قبل أن تستعيده القوات الأمنية العراقية بعد اقتراب العدو منه إلى أقل من خمسة كيلومترات – إلى مقرٍّ لقيادة عمليات دجلة والحشد الشعبي معاً، ومركزاً لتدريب المتطوعين الذين تدفقوا بأعداد هائلة تلبية لنداء المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف. لاحقاً، حمل هذا المعسكر اسم الشهيد أبو منتظر المحمداوي، تخليداً لتضحيته.

منذ الرابع والعشرين من حزيران عام ٢٠١٤، بدأت الاجتماعات المكثفة لرسم خطة التحرير، بعد أن أظهرت الدراسات الاستخباراتية أن الإرهابيين يتمركزون بأعداد كبيرة في الناحية وحول سد العظيم، مدجّجين بأسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة، وصواريخ مضادة للدروع، معتمدين في دفاعهم على العجلات المفخخة والعبوات الناسفة والقناصة والانتحاريين، بعد أن فخخوا كل الطرق المؤدية إلى مركز الناحية والدوائر الحكومية والمنازل القريبة منها، واتخذوا من السد مقراً لقيادتهم.

في معسكر الشهيد منتظر المحمداوي، اجتمعت قيادات الحشد الشعبي مع قيادات عمليات دجلة، ووضعوا خطة من صفحتين: الأولى تستهدف القرى الجنوبية – أم الكرامي والطالعة الأولى والطالعة الثانية – عبر لواءي المشاة التاسع عشر والحادي والعشرين من الفرقة الخامسة، مع تأمين طريق الخالص عبر شرطة ديالى. والثانية تستهدف مركز الناحية والجهة الغربية باتجاه حاوي العظيم، مع تطويق شمال الناحية وصولاً إلى مفرق الصفرة.

مع بدء التنفيذ، مهّدت مدفعية وهاونات الحشد الشعبي الطريق بقصف دقيق استهدف مقرات داعش في القرى الثلاث، ثم تقدمت القوات المشتركة من محورين متزامنين، فدارت اشتباكات ضارية كبّدت داعش خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وأسفرت عن اعتقال مطلوبين والاستيلاء على معمل للتفخيخ. وحين حاول الإرهابيون استعادة القرى بهجوم مضاد استمر أربع ساعات، صمدت القوة الماسكة للأرض وأحبطت المحاولة، بينما أحكمت شرطة ديالى سيطرتها على طريق الخالص – العظيم.

بعد تطهير القرى الثلاث، توجهت القوات نحو مركز الناحية، ففتحت السواتر الترابية وشرعت في المرحلة الثانية: اقتحام المركز وملاحقة الخلايا النائمة. لم يصمد الدفاع الإرهابي أمام الاندفاع العراقي، فسقط المركز، وبدأت حملات التمشيط والتطهير استعداداً للمرحلة التالية نحو آمرلي في صلاح الدين.

وفي الرابع عشر من كانون الأول عام ٢٠١٤، أُعلن تحرير ناحية العظيم بالكامل، بعد معركة أسفرت عن مقتل خمسة وثلاثين إرهابياً، وتدمير ثلاث عشرة عجلة مفخخة، وتفكيك مئة عبوة ناسفة، واعتقال العشرات ممن ثبت اشتباههم بجرائم ضد المدنيين.

كانت معركة العظيم أول اختبار حقيقي للقوات العراقية المشتركة بعد الانتكاسات التي أصابت جسد المؤسسة العسكرية جرّاء آفة الفساد، فجاء النصر ليعيد الثقة، متكئاً على سواعد المتطوعين الذين لبّوا نداء الوطن. وقد فتح تحرير الناحية الطريق أمام قطع خطوط الإمداد بين جيوب داعش في ديالى وصلاح الدين، ممهّداً لتحرير آمرلي وسليمان بيك لاحقاً.

وتبقى هذه المعركة علامة فارقة، لا لأنها أول أرض تُستعاد من قبضة داعش في ديالى فحسب، بل لأنها أثبتت أن التخطيط الصبور، وتضافر الجيش والشرطة والحشد الشعبي، وروح التضحية التي أشعلتها فتوى الجهاد الكفائي، قادرة على كسر شوكة الإرهاب مهما بلغت قسوته.

ما تقوم به مؤسسة الوافي ليس مجرد أرشفة لأوراق وتواريخ، بل هو إنقاذٌ لذاكرة أمة بأكملها من التزييف والطمس، وصونٌ لدماء الشهداء وتضحيات المتطوعين من أن تذوب في غياهب الزمن.

 

 

المصدر التوثيقي| موسوعة فتوى الدفاع الكفائي| الجزء 21 صفحة 15

مواضيع ذات صلة