الجبهة الثانية.. كيف واجه الإعلام العراقي الحرب النفسية لتنظيم داعش
#مؤسسة_الوافي_توثق
معركة تحرير تكريت 2015: الخطة والمحاور والنتائج
في السادسة من صباح الثامن والعشرين من آذار 2015، انطلقت مهمة محددة الصياغة: أن تتهجم وحدات جهاز مكافحة الإرهاب والقطعات الملحقة بها على مواقع العدو في قضاء تكريت والمناطق المحيطة به في محافظة صلاح الدين، لتدمير العدو والقضاء عليه وتحرير المدينة، وقد استمرت العملية حتى الثالث عشر من نيسان 2015، تحت قيادة الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي.
اشتركت في العملية قطعات من قيادة العمليات الخاصة الأولى ممثلةً بالوحدة التكتيكية الأولى، ومن قيادة العمليات الخاصة الثانية بأفواجها (الموصل، والنجف، وكربلاء، وصلاح الدين). وأُلحقت بها قيادة عمليات صلاح الدين، والفرقة المدرعة التاسعة، والشرطة الاتحادية، والحشد الشعبي.
الخطة على ثلاثة محاور
تضمنت الصفحة الأولى من خطة العمليات المشتركة لتحرير تكريت ثلاثة محاور. فالمحور الأول (الشمالي) تألف من قطعات من قيادة عمليات صلاح الدين ووحدات الرد السريع وشرطة اتحادية وحشد شعبي، وكان واجبه تطهير حي القادسية ومستشفى صلاح الدين العسكري سابقاً. أما المحور الثاني (الجنوب الغربي) فتألف من قطعات جهاز مكافحة الإرهاب مع اللواء التاسع من الحشد الشعبي، وواجبه تطهير الديوم والقصور الرئاسية ومناطق البو عبيد والهياكل. والمحور الثالث (الشمالي) تألف من قطعات من قيادة عمليات صلاح الدين ووحدات الحشد الشعبي، وواجبه تطهير ناحية العلم والمناطق المحيطة بجسر الفتحة.
وفي الساعة الخامسة من صباح الحادي عشر من آذار 2015، شرعت كافة القطعات المكلفة بواجب تحرير مدينة تكريت، كلٌّ بحسب مهمته الواردة في الخطة الرئيسة لقيادة العمليات المشتركة، منطلقةً من قاعدة سبايكر باتجاه أهدافها المرسومة.
وتضمنت الصفحة الثانية من الخطة الرئيسة ثلاثة محاور أيضاً: المحور الأول (الشمالي) من وحدات قيادة عمليات صلاح الدين (اللواء 66 وفوج مغاوير القيادة) ووحدات من الحشد الشعبي؛ والمحور الثاني (الجنوب الغربي) من وحدات جهاز مكافحة الإرهاب (فوج الموصل وفوج النجف) وأفواج الرد السريع والشرطة الاتحادية؛ والمحور الثالث (الجنوبي) من وحدات جهاز مكافحة الإرهاب (فوج كربلاء وفوج النجف والوحدة التكتيكية) والشرطة الاتحادية.
سير المعركة يوماً بيوم
في الساعة 13:30 من يوم السابع والعشرين من آذار 2015، باشرت القطعات العسكرية بالتقدم باتجاه تكريت عن طريق المحور الجنوبي الغربي في منطقة الديوم. وبعد ساعتين، في الساعة 15:30 من اليوم نفسه، باشرت القطعات في المحور الجنوبي تقدمها.
وفي ظهيرة الحادي والثلاثين من آذار 2015، عند الساعة 12:00، تمت السيطرة من قبل المحور الجنوبي على حي الزهور والقصور الرئاسية ومبنى المحافظة وكلية التربية للبنات ومستشفى تكريت. وبعد ساعة واحدة فقط، في الساعة 13:00 من اليوم ذاته، سيطرت وحدات الجهاز في المحور الجنوبي الغربي على الحي الصناعي وشارع (40) والسايلو.
وبتاريخ الثالث عشر من نيسان 2015، أُعلن تطهير مدينة تكريت ورُفع العلم العراقي فوق المباني الحكومية.
قراءة في العملية
أثبتت العملية أن للعدو قدرة على تقييم أهدافه العملياتية ومدى أهميتها وتأثيرها على خططه اللاحقة. وتأتي أهمية مدينة تكريت، مركز محافظة صلاح الدين، من كونها عقدة مواصلات استراتيجية تربط بين الشمال والوسط والشرق والجنوب، وترتبط بحدود إدارية مع سبع محافظات عراقية. وقد راهن العدو على البعد الطائفي في دفاعه عن المدينة باعتباره يمثل نفوذاً رئيسياً وأساسياً لوجوده، فضلاً عن الدعم والإسناد الذي تقدمه لاستدامة بقائه وتقوية نفوذه.
واعتمد جهاز مكافحة الإرهاب في تحرير المدينة أسلوب معركة الحصر والعزل والهجوم على كل هدف بصورة منفردة، ثم الانتقال إلى الهدف الذي يليه بالطريقة نفسها، نظراً لحساسية الأهداف وأهميتها. ومثّلت قاعدة سبايكر ومصفى بيجي وصمود وحدات الجهاز فيها نقاط شروع أساسية للوحدات باتجاه مركز ثقل المدينة المتمثل بـ (تكريت)، في ظل محاولة كلا الطرفين السيطرة عليها لاستعادة المبادأة في تصميم معركته.
ولمدينة تكريت ما تمثله من تمديد كبير وأهمية على مدينة سامراء، إذ سعى العدو من طريق سيطرته على المدينة إلى تطوير تقدمه ومسالك عمله وصولاً إلى المدينة المقدسة في (سامراء) لما تمثله من أهمية حيوية تؤثر بشكل كبير على مجرى الأحداث. ولذلك جرى التخطيط للعملية على أساس أن السيطرة على مدينة تكريت ذات الموقع الاستراتيجي تمثل انكساراً كبيراً لتنظيم داعش الإرهابي وخطوة أساسية لتحرير مدينة الموصل والمنطقة الشمالية من العراق.
ولم يشارك طيران التحالف الدولي في إسناد القطعات المكلفة بعملية تحرير تكريت لأسباب خاصة به، مما شكّل عائقاً كبيراً أمام تقدم القطعات، فضلاً عن محدودية الجهد الجوي العراقي في إسناده للقطعات المحررة.
وقد ركّز محور وحدات جهاز مكافحة الإرهاب جهده الرئيس على مركز ثقل العدو المتمثل بتواجده في القصور الرئاسية، وهو المركز الذي شكّل فقدانه انهياراً سريعاً للتنظيم في تكريت. وفي المقابل، برزت استماتة العدو على وجوده في تكريت وطريقة تصميمه لمعركته الدفاعية عنها، واستعماله أساليب قتالية مختلفة، من الهجمات المباشرة إلى الاستهداف غير المباشر إلى استعمال العجلات المفخخة، فضلاً عن تفخيخه لمقرات التقدم الرئيسة للقطعات المهاجمة.
حصيلة التحرير
أسفرت العملية عن تحرير المناطق والأحياء الآتية: حي القادسية، والديوم، والحي الصناعي، والسايلو، والعوجة القديمة، ومقر الفوج الرابع، ومجمع جامعة تكريت، والعوينات، وشارع 40 منطقة الهياكل، والحي الصناعي، وحي الزهور، والقصور الرئاسية، ومبنى المحافظة، وكلية التربية للبنات.
الإيجابيات
سُجّل لوحدات جهاز مكافحة الإرهاب رد الفعل السريع والاستجابة العالية في تنفيذ الأوامر والإحاطة بكل تداعيات الموقف دون ارتباك أو تأخير. كما وُضعت خطة بسيطة ومرنة ودقيقة، بُنيت وفق تقييم وتحليل استخباراتي عن قدرات العدو ومدى استعداده للدفاع عن المدينة والمناطق المحيطة بها. وتحقق تنسيق وتعاون كبير مع قيادة عمليات صلاح الدين في تأمين متطلبات المعركة، بدءاً من عملية الاستعداد والتحضير وصولاً إلى تطهير القضاء بالكامل.
وقد شكّلت عملية تحرير مدينة تكريت ضربة موجعة للعدو، الذي أصبح على يقين بعدم قدرته على الدفاع عن المناطق الخاضعة تحت سيطرته، لتنامي قدرات القطعات العسكرية والحشد الشعبي، لا سيما وحدات جهاز مكافحة الإرهاب. وبرز دور الإسناد الجوي المتميز لطيران الجيش والقوة الجوية، ولا سيما بعد رفض التحالف الدولي استعمال قدراته الجوية في إسناد القطعات. كما كان دور بعض عشائر المحافظة وإسنادهم للقطعات عاملاً مساعداً في رفع معنويات القطعات في إنجاز مهامها، فضلاً عن المعلومات الأمنية والاستخبارية عن العدو ونواياه ونشاطاته وتسليحه ومعنوياته، التي كانت تزوَّد بها مفاصل جهاز مكافحة الإرهاب الاستخبارية، وكان لها أثر كبير في إدامة زخم تقدم وحدات الجهاز.
الدروس المستنبطة
كان لدقة التحضيرات والاستعدادات وتحشيد القدرات البشرية والمادية والمعنوية في جهاز مكافحة الإرهاب دور كبير في حسم العملية. وكانت الروح المعنوية والتعرضية العالية للمقاتلين أثناء الحركة والتقدم وإصرارهم البطولي حافزاً مهماً لإنجاز المهمة ونجاحها. كما كان التخطيط الناجح لإدارة العملية القتالية وتطبيق قواعد الاشتباك سبباً كبيراً في الحفاظ على أرواح المقاتلين والمدنيين.
وساعدت الخبرة المكتسبة لوحدات الجهاز في القتال داخل المناطق المبنية والمأهولة بشكل كبير على استنزاف قدرات العدو وإيقاع أكبر ما يمكن من الخسائر في صفوفه، مقارنةً بحجم التضحيات لإنجاز المهمة. وأفقدت سرعةُ المعالجة لتداعيات وظروف المعركة والمرونةُ العالية في الاستجابة العدوَّ زخمَه في الصمود والدفاع عن المدينة. وسُجّل تنسيق وتعاون عالٍ مع طيران الجيش في معالجة الأهداف في مراحل المهمة كافة، فيما أربكت استدامة زخم العملية وتطوير مسالكها خطط العدو في الدفاع عن القضاء.
وساعدت الحرب الإعلامية والعمليات النفسية التي تميزت بها العملية في انهيار معنويات العدو وهزيمته وتعضيد جسور الثقة مع المواطنين. وحافظ التحديد القسري لقواعد الاشتباك المعمول بها في جهاز مكافحة الإرهاب على أرواح السكان المدنيين والبنى التحتية للمدينة، كما ذلّلت خطط الطوارئ والإخلاء للسكان النازحين معاناتهم بشكل كبير.
وخلصت العملية إلى ضرورة إعادة النظر بالقطعات الماسكة للأهداف الحيوية والمهمة، وإعادة تقييمها وتأهيلها بالشكل الذي يناسب حجم الهدف وأهميته وطبيعته. ولم يُسجَّل أي دور لطيران التحالف الدولي في عملية التحرير لاعتبارات خاصة به. وكان حجم الدمار والخراب في مدينة تكريت منخفضاً جداً في محاور جهاز مكافحة الإرهاب، بسبب فرض التحديدات على المهمة من لدن رئاسة الجهاز والتشديد على الالتزام بقواعد الاشتباك ومعايير حقوق الإنسان. وقد نُفذت العملية في كافة مراحلها ولكافة محاورها بقدرات عراقية خالصة.
المصدر التوثيقي، موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 17 ص 96






