في لحظات التحول الكبرى التي تعصف بالأمم، يكفُّ القرآن الكريم عن كونه نصاً يُتلى للتبرك فحسب، ليتحول إلى "خريطة وعي" حية، وبوصلة أخلاقية تضبط إيقاع التاريخ. إننا لا نقرأ السور كتراتيل غابرة، بل كقوانين نافذة تحكم صراع الإرادات؛ فبين صرخة المستضعفين في سورة "القصص" وثبات المؤمنين في سورة "الأحزاب"، تتشكل ملامح السردية الإلهية التي لا تعرف الهزيمة.
القصص: "مانيفستو" المستضعفين وزوال الجبروت
لم تكن سورة القصص، التي تنزّلت في ليل مكة الحالك، مجرد تعزية عابرة لقلب النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه، بل كانت "إعلان سنّة" كونية..
فحين صدح الوحي بقوله: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ}، كان ينسف شرعية القوة المجرّدة من الحق.
إن قصة موسى (عليه السلام) في مواجهة فرعون، وقصة قارون في مواجهة الفقر، ليستا إلا برهاناً على أن "هيبة البطش" وسحر "المال والسطوة" ليسا إلا حصوناً من ورق أمام عدالة السماء. هنا، تتحول المحنة إلى وعد، ويصبح الضعف الظاهر "قوة كامنة" تنتظر لحظة الانفجار الكبرى، ليثبت التاريخ أن العاقبة ليست لمن يملك السلاح، بل لمن يملك الصدق.
الأحزاب: موازين السماء تكسر حسابات الأرض
وعلى الضفة الأخرى من التاريخ، تقف سورة "الأحزاب" شاهدة على اللحظة الفارقة؛ حين تكتّل الشرك بكل ثقله المادي لاستئصال الوجود الإسلامي الناشئ. في "الأحزاب"، تجلّى الفارق الجوهري بين "حسابات الورقة والقلم" و"موازين التوكل"؛ فلم يكن النصر المعجز نتاج تفوق عددي، بل كان ثمرة ثبات عقدي هزّ أركان الخوف في النفوس.
هنا تلتقي القصص بالأحزاب لترسما معادلة "آل عمران" الخالدة:
إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ إنها المعادلة التي لا تقبل القسمة على اثنين: النصر هو الثمرة الطبيعية لنصرة الحق، والخذلان هو النتيجة الحتمية للتخلي عن المبادئ.
بين الأمس واليوم: صراع "الإيمان كله" ضد "الشرك كله"
وكما تكالبت الأحزاب قديماً لإطفاء النور، يتكرر المشهد اليوم بصورٍ وقوالب معاصرة. وفي هذا السياق، تبرز مواقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية كقراءة سياسية مستلهمة من هذا اليقين العقدي. إنها رؤية ترى في الصراع مع قوى الهيمنة دفاعاً عن "الحق الكلي" في وجه "الباطل الكلي"، مؤمنة بأن مواثيق النصرة الإلهية لا تُستنزل بالشعارات الجوفاء، بل بالثبات الراسخ فوق رمال المتغيرات المتحركة.
خاتمة: التاريخ يكتبه الصامدون
إن استدعاء هذه السنن ليس هروباً إلى الماضي لتبرير الحاضر، بل هو فهمٌ لناموسٍ لا يتبدل: العدالة هي شرط القوة الحقيقية. فالإيمان حين يتحول إلى فعل أخلاقي وسياسي مسؤول، يصبح هو المحرك الفعلي لموازين القوى.
بين وعد "القصص" ونصر "الأحزاب"، تظل السردية القرآنية مفتوحة على سؤال واحد يتردد صداه عبر العصور: لمن تكون النصرة؟ والجواب، كما صاغه التاريخ بمداد من نور: لمن نصر الحق في نفسه، فأيده الله بنصره.




تقييم المقال

