تمهيد:
أولاً : مولدٌ أشرق به بيت الوحي
وُلِد في السنة الثالثة من الهجرة، فأطلّ النور على بيت الرسالة بميلاد سبط النبي، الإمام الحسن بن علي (عليه السلام)، فغمرت الفرحة قلب جدّه المصطفى الأعظم محمد وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. حمله النبي (ص) بين يديه، وأذّن وأقام في أذنيه، وعقّ عنه، واختار له اسمًا سماويًا لم يُعرف في الجاهلية: هو الحسن (ع).
ولم تكن فرحة عاطفةٍ فحسب، بل وعيًا بمستقبل الرسالة؛ فقد قال النبي الأعظم محمد (ص): «كان يأخذ حسنًا فيضمّه إليه ثم يقول: اللهم إن هذا ابني وأنا أحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه».
وعن سعد بن مالك قال: دخلتُ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحسن والحسين يلعبان على ظهره، فقلت: يا رسول الله أتحبّهما؟ فقال: «وما لي لا أحبّهما، إنهما ريحانتاي من الدنيا» (١).
وقال: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة» (٢). فكان ميلاده إعلانَ امتدادٍ للنبوة في خطّ الإمامة.
مناقبه على لسان جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله)
· «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا» (٣)؛ تثبيتٌ لمقام الإمامة لهما في كل حال.
· «هما ريحانتاي من الدنيا»؛ دلالةُ القرب الروحي والامتداد الرسالي.
· إدخالهما مع عليّ وفاطمة في حديث الكساء وآية التطهير؛ توثيقٌ لطهارتهم واصطفائهم.
فعن إسحاق بن زيد، عن البراء بن عازب قال: دخل عليّ وفاطمة الزهراء والحسن والحسين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وآله بردائه عليهم فقال: «اللهم هؤلاء عترتي» (٤).
بهذه النصوص، رسّخ النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعي الأمة بأن الإمام الحسن (ع) ليس حفيدًا فحسب، بل ركنٌ من أركان الهداية.
ثانياً :حكمته (عليه السلام) في إدارة الدولة بعد أمير المؤمنين (عليه السلام)
بعد استشهاد علي بن أبي طالب، واجه الإمام الحسن (ع) واقعًا سياسيًا منهكًا: جيشًا مخذولًا، واختراقًا إعلاميًا أمويًا، وشراءَ ذممٍ واسعًا من قِبل معاوية بن أبي سفيان. هنا تجلّت حكمته:
1. تثبيت أصل الإمامة وعدم تحويل الصراع إلى اقتتالٍ داخلي يستهلك البقية الصالحة.
2. الصلح المشروط الذي قيّد معاوية ببنودٍ تكشف زيفه (ألا يعيّن خليفةً بعده، وألا يتعرّض لشيعة عليّ، وأن يكون الحكم وفق كتاب الله وسنة نبيه).
3. نقل المعركة من السيف إلى الوعي؛ فصار الصلح أداةَ فضحٍ سياسي وأخلاقي لبني أمية.
لم يكن الصلح تنازلًا، بل إدارةً للأزمة بأقلّ خسارةٍ وأعلى مكسبٍ استراتيجي: حفظُ خطّ الإمامة وتمييزُ الحقّ عن الباطل.
شجاعته… حين تكون الحكمة أعمق من السيف
الشجاعة ليست دائمًا في رفع السيف؛ أحيانًا تكون في كظم الغيظ وحماية الدماء. واجه الإمام الحسن (عليه السلام) حملات التشويه، وخيانة بعض القادة، ومحاولات الاغتيال، فثبت على هدوءٍ عجيب. كان يرى ما وراء اللحظة: أن الزمن سيكشف الأمويين بلا حاجةٍ إلى حربٍ تُستنزف فيها الطليعة المؤمنة.
ثالثاً : رعايته للفقراء وشيعة أمير المؤمنين عليه السلام
عُرف (ع) بسخائه وكرمه غير المحدود؛ حتى إنه قاسم الله ماله مرارًا في مسيرة حياته.
فقد ذُكر عن علي بن زيد بن جدعان التيمي قال: حجّ الحسن بن علي خمس عشرة مرة ماشيًا، وخرج من ماله مرتين، وقاسم الله ماله ثلاث مرات، حتى إنه كان ليعطي نعلاً ويمسك نعلاً، ويعطي خفًّا ويمسك خفًّا (٥).
فكان حجّه ماشيًا تواضعًا وإيمانًا، اقتداءً بأخلاق جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. كان يتفقّد بيوت الفقراء ليلًا، ويكفل المحتاجين سرًّا، ويؤمّن الحماية الاجتماعية لشيعة أبيه في زمن القمع. بهذا البناء الأخلاقي، حفظ النواة الصلبة التي ستبقى أمينةً على مشروع أهل البيت (عليهم السلام).
رابعاً : بعض توجيهات الإمام الحسن (عليه السلام)
قال الإمام الحسن (عليه السلام): «ونحن ريحانتا رسول الله، وسيدا شباب أهل الجنة، فلعن الله من يتقدّم أو يقدّم علينا أحدًا» (٦).
وعنه (عليه السلام): «وإن حبّنا ليساقط الذنوب من بني آدم، كما تساقط الريح الورق من الشجر» (٧).
وقال الإمام الحسن (عليه السلام): «من أدام الاختلاف إلى المساجد أصاب إحدى ثمان: آيةً محكمة، أو أخًا مستفادًا، أو علمًا مستطرفًا، أو رحمةً منتظرة، أو كلمةً تدلّه على الهدى، أو تردّه عن الردى، أو ترك الذنوب حياءً أو خشية» (٨).
وقال (عليه السلام): «من أكثر مجالسة العلماء أطلق عِقال لسانه، وفتق مراتق ذهنه، وسرّ ما وجد من الزيادة في نفسه، وكانت له ولاية لما يعلم، وإفادة لما تعلّم» (٩).
خامساً : التمهيد لثورة أخيه الإمام الحسين (عليه السلام)
كشف الصلح حقيقة الحكم الأموي؛ فما إن استقرّ الأمر لمعاوية حتى خالف البنود، وأظهر الملك العضوض، ومهّد لتوريث يزيد. عندها تبيّن للناس صدق رؤية الإمام الحسن المجتبى (ع): لقد عرّى الباطل أمام الأمة، فتهيأت الأرضية الأخلاقية والوجدانية لنهضة أخيه الحسين بن علي.
فكانت ثورة كربلاء امتدادًا لوعيٍ صنعه الإمام الحسن المجتبى (ع): وعيٌ يميّز بين شرعية الإمامة وملك بني أمية.
خاتمة
الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) هو بهجةُ النبي يوم وُلد، وحكمةُ الإمامة يوم اشتدّ البلاء، وضميرُ الأمة يوم اختلطت الرايات. جمع بين لين القلب وصلابة المبدأ، بين العطاء الواسع والرؤية البعيدة. ومن فهم صلحه، فهم كربلاء؛ ومن أدرك حكمته، أدرك أن الإمامة ليست اندفاعًا عاطفيًا، بل قيادةٌ ربانية تُدير التاريخ بوعيٍ إلهي.
بقلم: زاهر حسين العبدالله
المصادر
(١) في ظل أصول الإسلام – الشيخ جعفر السبحاني – الصفحة ٨٤.
(٢) ترجمة الإمام الحسين (ع) – ابن عساكر – الصفحة ٦٢.
(٣) موسوعة كلمات الإمام الحسن (ع) – لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع) – الصفحة ٩.
(٤) حديث الكساء – محمد حياة الأنصاري – الصفحة ٧٢.
(٥) ترجمة الإمام الحسن (ع) – ابن عساكر – الصفحة ١٤٢.
(٦) كلمة الإمام الحسن عليه السلام: ج٧، ص٢١١.
(٧) بحار الأنوار ج٤٤ ص٢٣ ح٧.
(٨)تحف العقول، ص٢٣٥.
(٩) إحقاق الحق ج١١ ص٢٣٨ س٢.




تقييم المقال

