البحث المتقدم

البحث المتقدم

أبي طالب (عليه السلام) … كافلُ الرسالة وحارسُ النبوّة

1 تقييم المقال

تمهيد
قال تعالى { وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّـهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} العنكبوت. 
لم يكن أبو طالب رجلَ عصبيةٍ قبليةٍ عابرة، ولا شيخَ قريشٍ الذي حمى ابنَ أخيه بدافع الدم وحده؛ بل كان حارسَ مشروعٍ إلهي، وكافلَ رسالةٍ، ومؤمنًا حمل إيمانه بصيغةٍ حكيمةٍ اقتضتها مرحلةُ الاستضعاف.
لقد كان إيمانه موقفًا قبل أن يكون تصريحًا، وشِعرُه شاهدُ قلبٍ عرف الله سبحانه وصدّق نبيّه الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم . سيكون الكلام حول مايلي :

أولًا: إيمان أبي طالب في شِعره… شهادةُ اللسان والعقيدة

لم يكن شِعر أبي طالب مدحًا اجتماعيًا، بل إقرارًا نبويًا صريحًا، وفيه من الدلالة العقدية ما لا يقبل التأويل والشك مثال على ذلك حينما قال :

«ولقد علمتُ بأنَّ دينَ محمّد     من خيرِ أديانِ البريّةِ دينَا»

هذا البيت إعلان إيمانٍ واضح: علمٌ، وتفضيلٌ، وتصديق بما جاء به النبي الخاتم صلوات الله عليه وعلى آله . 

وفي موضعٍ آخر يقول، يخاطب قريشًا بلسان المؤمن الواثق الموقن بما وعد ربه سبحانه وتعالى :

«ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّدًا.  نبيًّا كموسى خُطَّ في أوّلِ الكُتُبِ»

فهنا شهادة إيمان بالنبوة، واستحضارٌ لسلسلة الوحي الإلهي، وربطٌ بمحكمات الرسالات.
وليس هذا شِعر حيرةٍ أو مجاملة؛ بل بيان عقيدة نطق بها وهو يواجه عتاة ومردة أّل الكتاب وكذلك حصارًا وتهديدًا من قريش لكفالته لأبن أخيه النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم 


ثانيًا: مواقف الدفاع لأبي طالب (ع)… حين يكون الإيمان درعًا

لم يقف أبو طالب موقف المتفرّج والمستسلم، بل كان السدّ المنيع أمام مشروع قريش لإطفاء نور الدعوة ، ومشكاة النبوة لإعلاء كلمة التوحيد في قومه .

فأعلن التحدّي الصريح بكل شجاعة وبسالة لغرور قريش ووجاهتهم حين قال:

«والله لن يصلوا إليك بجمعهم   حتى أُوسَّدَ في التراب دفينًا»

أدار شبكة حمايةٍ قوية وذكية لحماية النبي الأعظم صلى الله عليه وآله في شعب ابي طالب حينما فرض عليه : فكان يبدّل موضع نوم النبي الأعظم محمد (ص) ليلًا، ويُقدِّم أحد بنيه فداءً مكانه درءًا للغدر وجواسيس الخيانة . 

ووظّف مكانته القبلية لتجنيب الدعوة الإبادة المبكرة، فكانت حكمته السياسية ووجاهته الاجتماعية جزءًا من الإيمان العملي في الدفاع عن حريم النبوة . 


ثالثًا: التربية والرعاية من أبي طالب (ع)… للنبي الأعظم محمد (ص) في بيت النبوّة

نشأ النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتربى وترعرع في بيت أبي طالب لا كضيفٍ، بل كأمانةٍ سماوية تحمل مسؤوليتها هو زوجته الطاهرة المؤمنة فاطمة بنت أسد الهاشمية عليها السلام حيث 

رعاه صغيرًا، ورافقه شابًا، وصدّقه نبيًا. لم يكتفِ بالحماية الجسدية، بل صان وجدانه، وربّى ضميره، وهيّأ له بيئة الطهر والصدق و النقاء . 

كان يرى فيه علامات الرسالة قبل البعثة، فزاد تعلّقًا ويقينًا فنصره وقام على خدمته .


رابعًا: بذلُ  مهجته وهم الأبناء… حين تُقدَّم الأسرة قربانًا

لم يحتفظ أبو طالب بإيمانه في دائرة الذات، بل قدّم أبناءه للرسالة:

بذل أبنائه جعفرًا، وعقيلًا، وطالبًا في نصرة النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

وخصَّ النبيَّ بأعلمهم وأتقاهم ربيبه ووصيّه: الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كي يعيش في كنف النبوة ويتربى في حجر الإيمان لينهل من معين روح النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله سلم كل تعاليم السماء فكان بحق نفس رسول الله صلى الله عليه وآله بنص الآية القرانية في آية المباهلة { وأنفسنا وأنفسكم } 


خامسًا: عليٌّ (عليه السلام)… ربيب الإيمان وامتداد أبي طالب عليه السلام 

لم يكن اختيار سيد الموحدين عليٍّ عليه السلام ليكون في كنف النبي الأعظم محمد (ص) صدفةً، بل اختيارَ وعيٍ وإيمان:

سلّمه أبو طالب إلى النبي الأعظم (ص) وهو يعلم أنه يسلّمه إلى الوحي ليكون حامي حامه ودرع المتين صراطه المستقيم 

نشأ أمير المؤمنين عليٌّ  عليه السلام على عين الرسالة، فكان:

أعلم الناس بعد النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله، أتقاهم سريرةً، أشجعهم شكيمة واعزهم موقفًا، أصدقهم نصرةً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 

وهكذا، لم يكن أبو طالب مؤمنًا فحسب، بل مُنشِئَ جيلٍ رسالي.


سادسًا: مكارم الأخلاق والسجايا في أبي طالب عليه السلام 

اجتمعت في أبي طالب خصالُ الكبار:

الشجاعة: واجه قريشًا وهو يعلم كلفة المواجهة وصعوبة الموقف وضيق العيش .

الحِلم: لم تجرّه الاستفزازات من قريش إلى أي تهور يفقد فيها النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله .

الصبر: صبر في شِعب أبي طالب على الجوع والعطش والهجر والمكانة صبرَ المؤمن المحتسب. فلم يساوم على النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله ولم يسلمه لهم ولو قُدِّمت له الدنيا بأسرها بين يديه.


خاتمة

إنّ أبا طالب (عليه السلام) ليس فصلًا هامشيًا في السيرة، بل جذرًا عميقًا في شجرة الرسالة. إيمانه ثابتٌ في شِعره، صادقٌ في مواقفه، ناطقٌ في تربيته، ومخلَّدٌ في بذله وصبره. ومن أنكر إيمانه، فقد قرأ التاريخ بعيون السياسة لا بميزان الرسالة.

سلامٌ على أبي طالب يوم آمن سرًّا، ويوم نصر جهرًا، ويوم رحل بجوار رحمة ربه وقد أدّى الأمانة كاملة بكل ما يستطيع جعله الله لنا شفيعاً يوم القيامة بحق محمد وآل ومحمد .

بقلم : زاهر حسين العبد الله

نعم
هل اعجبك المقال