البحث المتقدم

البحث المتقدم

٠٩ محرم ١٤٤٨

تقرير وثائقي.. الأساليب الإجرامية التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي بحق ضحاياه


 

#مؤسسة_الوافي_توثق

الأساليب الإجرامية التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي بحق ضحاياه

 

في زمن باتت فيه الذاكرة الجمعية مستهدفة بالمحو والتشويه، تتقدم مؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات بهذا التقرير الوثائقي المدروس، إيماناً راسخاً بأن الحقيقة جدار لا تهدمه السنون، وأن كل دم أُريق يستحق أن يُكتب اسمه في سجل التاريخ لا أن يُمحى في رمال النسيان.

لقد مثّل تنظيم داعش الإرهابي ظاهرة إجرامية استثنائية في تاريخ العنف المنظم، إذ جمع بين التطرف الأيديولوجي الأعمى وقدرات لوجستية وتقنية متطورة، فأنتج آلة موت بالغة التعقيد والوحشية، لم تعرف لها البشرية في تاريخها الحديث مثيلاً يضاهيها في سادية الأساليب وتنوع أدوات الأذى.

ما بين عامَي 2013 و2019، وعلى مساحات شاسعة من أرض العراق وسوريا وامتداداتهما، ارتكب هذا التنظيم جرائم تتجاوز في فداحتها وتنوعها كل التصنيفات القانونية المعروفة؛ من الإبادة الجماعية ذات الطابع العرقي والديني، إلى جرائم الحرب باستخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة، إلى التجنيد القسري للأطفال، إلى ضروب التعذيب الجسدي والنفسي التي لم تعرفها حتى أشد صفحات التاريخ قتامة.

يتناول هذا التقرير بالتفصيل الموثق ثلاثة وعشرين أسلوباً جنائياً ثبتت نسبتها إلى هذا التنظيم بالأدلة والشهادات المتقاطعة والصور والوثائق المحفوظة، وكلها مصنفة ومدروسة بعين التوثيق لا بعين الإثارة، لأن هدفنا الأول والأخير هو إقامة الحجة القانونية والتاريخية على مرتكبي هذه الجرائم، وحفظ حق الضحايا في الاعتراف والتعويض والعدالة.

 

الأساليب الإجرامية الموثقة

فيما يلي رصد تحليلي وموثق لثلاثة وعشرين أسلوباً جنائياً وثّقتها المؤسسة، مصنّفةً ومرتّبةً وفق منهج التحليل الجنائي التوثيقي:

 

      قفص الغرق: لجأ التنظيم إلى أقفاص محكمة الغلق لإيداع ضحاياه بداخلها، ثم يُغرقهم في أحواض مياه معدة لذلك، في مشهد يجمع بين التشفي والتصوير لأغراض الترويع والنشر.

      سيارة الموت: أسلوب إجرامي يقوم على حبس الضحايا داخل مركبة مغلقة، ثم استهدافها بقاذفات صواريخ بعد التأكد من إحكام إغلاقها، بما يحول السيارة إلى فخ معدني محكم.

      السلاسل المتفجرة: يربط التنظيم مجموعة من المعتقلين من أعناقهم بسلسلة متفجرة واحدة، لضمان تصفيتهم جميعاً في آنٍ واحد، وهو أسلوب يكشف عن التخطيط الممنهج للإبادة الجماعية.

      تعليق القتلى: بعد تنفيذ عمليات الإعدام، كان التنظيم يُعلق جثث ضحاياه بحبال غليظة على الجسور والأماكن المرتفعة العامة، في سلوك يهدف إلى إذلال الضحايا وترهيب المحيطين.

      السلاح الكيميائي: وظّف التنظيم الإرهابي أسلحة كيميائية محرمة دولياً في مواجهاته مع القوات العراقية، شملت غاز الكلور والخردل وغاز السارين، في جرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.

      العضاضات: أنشأ التنظيم وحدات نسائية أطلق عليها (العضاضات)، خُصصت لتعذيب النساء عبر العض الذي يبلغ حدّ قطع اللحم من الجسد، مما يفضي أحياناً إلى نزيف حاد ينتهي بالوفاة.

      شطر الإنسان بالسيف: عقوبة وحشية يُنفذها التنظيم بحق كبار السن من الرجال بتهمة ملفقة (السحر والشعوذة)، وتقوم على شطر الجسد طولياً من منتصف الرأس إلى أسفل البطن بالسيف.

      آلة العضاضة الحديدية: أداة تعذيب حديدية مسننة تُشبه المشط ذو الأسنان الحادة، تُربط في أثداء النساء المرضعات في الأماكن العامة، وتُسحب منهن حتى يبلغن حد الوفاة نزفاً.

      سحق الرؤوس: يرتكب التنظيم جريمة رطم رؤوس الضحايا بكتل صخرية أو خرسانية ضخمة حتى يصل الإنسان إلى مرحلة النزيف الحاد أو تهشم الجمجمة، في مشهد بالغ الوحشية.

      المسطرة الحديدية: أداة إجرامية يستخدمها التنظيم لقياس أبعاد الجروح التي يحدثها في أجساد ضحاياه بدقة متعمدة، خاصة في منطقة الرأس، في دليل صارخ على التخطيط المنهجي للتعذيب.

      السلخ الحي: يلجأ التنظيم إلى سلخ الضحايا أحياءً بفصل الجلد عن الجسد، وهي جريمة تحدث أحياناً قبل وفاة الضحية وأحياناً بعدها، وتُعدّ من أشد أساليب التعذيب وحشية عبر التاريخ.

      إعدام ذوي الميول الشاذة: كان التنظيم يُلقي من يتهمهم بالشذوذ الجنسي من أعلى المباني بعد إذلالهم وتعليقهم وتصويرهم، ثم يرجم من يبقى منهم حياً بالحجارة أمام الجمهور حتى الموت.

      قفص الحرق: يُودَع الضحية في قفص مربوط بخط من مادة شديدة الاشتعال كالبارود أو النفط أو البنزين، تُشعل ناراً تلتهمه وهو حبيس القفص في واحدة من أشد صور الإعدام رعباً.

      الإعدام أمام الأطفال: حرص التنظيم على إجراء عمليات الإعدام بمشاهدة الأطفال المجنّدين، بهدف غسيل أدمغتهم وتطبيعهم مع مشاهد القتل، في جريمة تطال ضحاياها الأطفال أنفسهم.

      أشبال الخلافة: زجّ التنظيم بالأطفال المختطفين في عمليات الإعدام المباشرة تحت مسمى (أشبال الخلافة)، بما يصنع منهم أدوات قتل مبرمجة تُنتج أجيالاً من القتلة المتمرسين.

      الكلاب المسعورة: استخدم التنظيم كلاباً مجوّعة وشديدة العدوانية في أحواش مسيجة لتنهش الضحايا، بعد أن يُلقى بهم داخلها عاجزين عن الفرار أو الدفاع عن أنفسهم.

      إلقاء الجثث في الأنهار: دأب التنظيم على إلقاء جثث ضحاياه في مجاري المياه وأحواض الأنهار ولا سيما ضفاف دجلة والفرات ومنطقة سد الموصل، مع ربطها أحياناً بأثقال لإخفائها.

      الرجم العلني: اعتمد التنظيم عقوبة الرجم بالحجارة علناً في الساحات والميادين العامة، ووجّهها بصورة رئيسية ضد النساء بتهمة الزنا، مع التصوير الممنهج لنشر الرعب والخوف.

      الإعدام الجماعي: نفّذ التنظيم عمليات إعدام جماعي بإطلاق النار على الرؤوس أمام الجمهور، وكان يُصوّرها وينشرها لإرساء ثقافة الرعب وكسر إرادة المجتمعات المحيطة.

      الصعق الكهربائي: يُعذّب التنظيم ضحاياه بصعقهم بالكهرباء عبر عصيّ كهربائية أو تثبيت أطراف الأسلاك الكهربائية على أجسادهم مع ربطها بمصدر للطاقة.

      التجويع القسري: يُمارس التنظيم التجويع المتعمد الممنهج ضد معتقليه حتى تبدو عظامهم من شدة الهزال، وكثيراً ما يُفضي ذلك إلى الوفاة البطيئة جوعاً.

      الإيهام بالغرق: يُقيّد التنظيم الضحية ويسكب الماء البارد على قطعة قماش تُغطي وجهه أو جسده، بما يُوهمه بأنه يغرق فعلاً، وهو أسلوب تعذيب نفسي وجسدي في آنٍ واحد.

      بتر الأعضاء: يُمارس التنظيم التعذيب بقطع أعضاء الجسد تدريجياً كالأظافر والأصابع والآذان والألسنة وصولاً إلى الأيدي والأرجل، وكثيراً ما ينتهي الأمر بوفاة الضحية نزفاً.

 

 

قراءة تحليلية في بنية الإجرام

إن المتأمل في هذه الأساليب الإجرامية الثلاثة والعشرين لا يجد أمامه تصرفات فردية عفوية أو انفجارات عنف مرتجلة، بل يقف أمام منظومة إجرامية متكاملة الأبعاد، مدروسة في تفاصيلها، ومُحكمة في أهدافها، تقوم على ثلاثة محاور رئيسية:

المحور الأول — الترهيب المجتمعي الشامل: إذ صُمّم قسم كبير من هذه الأساليب لا لقتل الضحية فحسب، بل لتحويل كل عملية إعدام إلى رسالة رعب موجهة للمحيط الاجتماعي بأسره، عبر التصوير والنشر والإعدام العلني.

المحور الثاني — إعادة تصنيع الإنسان: تمثّلت في برامج تجنيد الأطفال وزجّهم في دوامة القتل، بهدف إنتاج جيل جديد من المقاتلين الذين لا يعرفون الشفقة ولا يجدون في القتل غضاضة.

المحور الثالث — الإبادة الممنهجة: وتجلّت في الأسلحة الكيميائية وعمليات القتل الجماعي والسلاسل المتفجرة وسائر الأدوات المصممة لإزهاق أرواح أكبر عدد من البشر في أقصر وقت وبأدنى كلفة.

 

العدالة غاية لا تسقط بالتقادم

يختتم هذا التقرير صفحاته مُثقلاً بحجم المأساة الإنسانية التي وثّقها، ومدركاً في الوقت ذاته أن التوثيق وحده لا يكفي، بل هو الخطوة الأولى في مسار طويل من المطالبة بالمساءلة والعدالة والإنصاف.

إن الضحايا الذين سقطوا بيد هذا التنظيم المجرم لم يكونوا أرقاماً في إحصاءات باردة؛ كانوا آباءً وأمهات وأطفالاً وشيوخاً، كانوا أصحاب أحلام وذكريات ومستقبل. وما التوثيق الذي تضطلع به مؤسسة الوافي إلا واجب أخلاقي حضاري نحو هؤلاء الضحايا، الذين لم يختاروا مصيرهم لكنهم يستحقون أن يُعرف اسمهم وأن تُعرف قصتهم.

إن العدالة في مثل هذه الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم ولا تموت بموت الجلادين؛ هي باقية تنتظر ساعتها في سجلات التاريخ والقانون، وعلى مؤسسات التوثيق الحرة كمؤسسة الوافي أن تبقى الحارسة الأمينة لهذه الملفات حتى تصل إلى محاكم العدالة الدولية.

نختتم بالتأكيد على أن هذا التقرير ليس الأخير، وأن مسيرة مؤسسة الوافي في توثيق جرائم داعش وسائر الجرائم المرتكبة بحق الإنسانية مستمرة لا توقف فيها ولا تراجع، حتى تُقرأ الملفات في المحافل الدولية، وحتى تعلو صرخة الحق فوق صرخة الجلادين.

 

المصدر التوثيقي

موسوعة فتوى الدفاع الكفائي | الجزء 80 الصفحة 51

مواضيع ذات صلة