البحث المتقدم

البحث المتقدم

٢٦ محرم ١٤٤٨

طلبة الحوزة على خط النار.. شهادة معتمد المرجعية في الحلة

 

 

#مؤسسة_الوافي_توثق

شهادة معتمد المرجعية السيّد رسول الموسوي عن التطوع والقتال في زمن الفتوى

السيّد علي السيستاني (دام ظله)، والتي أعلنها سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزّة) من على منبر كربلاء المقدسة في خطبة الجمعة الموافقة 13 حزيران 2014، لم يتأخر السيّد رسول الموسوي، معتمد المرجعية العليا في مدينة الحلة، عن التجاوب معها. اتصل فورًا بقائد شرطة محافظة بابل معلنًا رغبته بالالتحاق بصفوف المتطوعين للقتال، ثم توجّه رفقة عدد من أقربائه وأصدقائه ليكونوا من أوائل المسجَّلين في دائرة الأمن الوطني بالحلة، قبل أن ينتشر خبر الفتوى ويتدفق الآلاف على مراكز التسجيل.

 

يصف الموسوي تلك اللحظة بأنها كانت أشبه بتسابقٍ جماعي نحو "سجل الموت"، إذ توافد على مراكز التطوع رجال ونساء، شيوخ عشائر وطلبة حوزة، شباب وكهول، يحملون رايات عشائرهم ومواكبهم الحسينية، وسط هتافات تعبّر عن الولاء للمرجعية والوطن معًا. ويصف كيف بدت له تلك المشاهد أبلغ من أي وصف أدبي، وكأن نداء الإمام الحسين (عليه السلام) التاريخي "هل من ناصر ينصرني" قد تجدد في تلك اللحظة، فلبّاه الناس بهتاف "لبيك يا حسين".

 

مراكز التدريب الأولى

دعا السيّد رسول الموسوي طلبة الحوزة العلمية في الحلة إلى مركز الحسين للثقافة والإرشاد، لوضع برنامج تعبوي مشترك. حضر اللقاء نحو خمسة وعشرين طالبًا، انقسموا بين من رأى البقاء لتعبئة الناس، ومن أصرّ على التوجه مباشرة إلى ساحات القتال، مقتنعًا بأن الدعوة إلى الجهاد لا تستقيم دون المشاركة فيه فعليًا.

التحق بالمجموعة المقاتلة أربعة عشر طالبًا، دخلوا مركزًا تدريبيًا أُقيم في مزرعة أحد المؤمنين، وتلقوا لمدة خمسة عشر يومًا تدريبًا على يد عدد من ضباط الشرطة الاتحادية، شمل استعمال الأسلحة الخفيفة والقنص وتكتيكات حرب الشوارع والمدن. وبالتوازي، انتشرت عشرات مراكز التدريب المماثلة في أنحاء الحلة والريف المحيط بها، استجابة لتدفق المتطوعين من كل الأعمار.

 

دور طلبة الحوزة العلمية

يخصص السيد الموسوي جزءًا واسعًا من شهادته لبيان الأدوار المتعددة التي اضطلع بها طلبة الحوزة العلمية، ولا سيما في الساتر المقابل لمنطقة صنديج والنقطة المعروفة بـ"34"، التي شكّلت خط تماسٍ مباشر مع تنظيم داعش. ويحصر هذه الأدوار في خمسة محاور رئيسة:

  • الدور القتالي المباشر، بوصفه استجابة لنداء المرجعية ومشاركة فعلية إلى جانب الجيش العراقي في صد التمدد الإرهابي.
  • رفع الروح المعنوية للمقاتلين، إذ يذكر أن وجود طلبة العلم في الساتر كان له أثر واضح في تثبيت صمود الجنود والمقاتلين، الذين كانوا يتقاسمون معهم الطعام والمصاعب على حدٍّ سواء.
  • التوجيه الديني والفقهي، من خلال بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالجهاد والعبادة في ظروف القتال، والتأكيد المستمر على أهمية المحافظة على الصلاة رغم مشقة المعركة.
  • تحصين ممتلكات الأهالي النازحين، عبر التشديد على حرمة المساس بالمزروعات والمواشي والبيوت التي تركها أصحابها هربًا من الحرب، باعتبارها ملكًا لأهلها وليست غنيمة حرب.
  • بناء التعاون بين تشكيلات الحشد الشعبي والقوات النظامية، من خلال السعي لتوحيد الكلمة بين الألوية المختلفة، وتوضيح المعنى الشرعي للجهاد والشهادة لكل من يشارك في القتال.

 

تأسيس "قوة الإمام المجتبى" (عليه السلام)

من رحم هذا الحراك، تأسست قوة صغيرة العدد لكنها متميزة الأثر، ضمّت نخبة من طلبة الحوزة العلمية في الحلة وعددًا من المؤمنين المقربين منهم، تحت قيادة السيد رسول الموسوي. حظيت هذه القوة، رغم صغر حجمها، باحترام واسع بين الألوية القتالية للالتزام الديني والانضباط الأخلاقي الذي عُرفت به، واعتمدت في تسليحها ولوجستياتها على دعم أهالي الحلة ومواكبها الحسينية وتبرعات المؤمنين.

الالتحاق بساحات القتال: من المسيّب إلى النقطة 34

في مطلع تموز 2014، توجهت القوة أول الأمر إلى منطقة الحي العسكري في المسيّب، قبالة مواقع كانت تحت سيطرة داعش. غير أن أفراد القوة، وبينهم طلبة الحوزة، شعروا بأن هذا الموقع بعيد نسبيًا عن خط التماس الفعلي، فأصرّوا على الانتقال إلى نقطة أكثر سخونة قرب ناحية جرف الصخر، وتحديدًا "النقطة 34" التابعة للجيش العراقي، والتي كانت آنذاك من أخطر نقاط السيطرة العسكرية لقربها الشديد من مواقع العدو. وبعد تنسيق مع القيادة العسكرية هناك، انتقلت القوة لتتمركز في معسكر الحامية، لتصبح تلك النقطة ميدان قتالها الحقيقي.

 

معارك بلد وقرية البشير

بعد إتمام تحرير جرف الصخر، انضمت القوة إلى فرقة الإمام علي (عليه السلام) للمشاركة في معارك تحرير قضاء بلد، وشاركت في تحرير عدد من القرى المحيطة، من بينها قرية قراغول التي عانت من خليط الطائفية والاغتيالات على يد التنظيم. كما لبّت القوة نداء استغاثة من أهالي قرية تازة القريبة من منطقة البشير، فتوجهت إليها ليلًا واستقبلها الأهالي استقبالًا حافلًا، قبل أن يُصدَر أمر بعودتها لاستكمال واجباتها في محيط بلد.

إصابة السيّد رسول الموسوي الأولى

في قرية البو حشمة، شارك السيد الموسوي مع مجموعة من المقاتلين، من بينهم الشهيدان عبد الرضا الفياض ومصطفى السراي، في عملية لملاحقة عناصر داعشية كانت تتسلل وتنفّذ عمليات اغتيال ضد قوات الحشد. تطورت المواجهة إلى اشتباك مباغت وسط بيوت القرية، أصيب خلاله السيد الموسوي برصاصة في رجله اليسرى بعد أن تعرض لنيران قناصة ورشاشات من مسافة قريبة، بينما استُشهد في المعركة نفسها الشيخ مشتاق الزيدي.

 

مسيرة سامراء وبيجي

بعد تعافيه، شارك الموسوي في معارك أطراف سامراء والمناطق المحيطة بتكريت، ضمن رحلة استمرت سبعة أيام في أراضٍ وعرة، شهدت اشتباكات متفرقة انتهت بتحرير منطقة البو عجيل.

 

انتقلت القوة بعدها إلى بيجي، حيث خاضت واحدة من أعنف مراحل مسيرتها، إذ استمرت المواجهات هناك نحو سبعة أشهر متواصلة. يروي الموسوي كيف واجهت القوة هجومًا واسعًا استبقته معلومات استخباراتية، فاستعدت له منذ ساعات الفجر الأولى وصدّته في معركة استمرت أكثر من أربع عشرة ساعة متواصلة، مخلّفة خسائر كبيرة في صفوف التنظيم. كما يصف حادثة انفجار عبوة ناسفة قرب موقع تمركز القوة، أدى إلى تصدع جزء من المبنى، دون أن يوقف ذلك المقاتلين عن مواصلة القتال من تحت الأنقاض.

 

معركة الخبيرات

في هذه القرية الشمالية التابعة للموصل، شاركت القوة في تحرير منطقة كانت محاطة بتلال يسيطر عليها التنظيم، وواجهت خلالها مفخخات وهجمات متكررة بقذائف الهاون، أسفرت عن إصابة عدد من المقاتلين بجروح خفيفة، قبل أن تتمكن القوات من فرض سيطرتها الكاملة على القرية.

معركة الروفة

تروي الشهادة كيف تحوّلت منطقة الروفة، التابعة لكرمة الفلوجة، والتي وُصفت بأنها من أصعب المواقع العسكرية بسبب فشل محاولات سابقة عديدة في تحريرها، إلى ساحة تنافسٍ بين أفواج لواء علي الأكبر (عليه السلام) على شرف المشاركة في تحريرها، لِما اكتسبته من رمزية خاصة لدى المقاتلين. وقد نجحت القوات، بعد عملية دخول محسوبة بدقة وتقدم متأنٍّ بين المزارع والدروب الترابية، من تحرير المنطقة كاملة في يوم واحد.

 

منطقة الأزركية

في هذه المنطقة الزراعية القريبة من سكة القطار، خاضت قوة الإمام المجتبى مهمة تحرير مجموعة من الدور وسط أراضٍ زراعية كانت تشكل ملاذًا لعناصر داعشية. يصف الموسوي كيف اضطر المقاتلون، بعد تعطل سياراتهم في منتصف الطريق تحت النيران، إلى الترجل والركض نحو الأهداف سيرًا على الأقدام، وكيف نجحوا بعدها في تحييد قناص داعشي خطير من خلال تنظيم زوايا رمي محكمة، قبل إتمام تحرير المنطقة بالكامل دون خسائر تُذكر.

 

معركة الخالدية

شكّلت الخالدية، التي تجمّع فيها ما يقارب ألفي عنصر من التنظيم بحسب تقدير الشهادة، إحدى أشد المعارك قسوة من حيث الظروف الطبيعية، بين حرّ صحراوي شديد وأرض مكشوفة بلا ساتر طبيعي. خاضت القوات مسيرة طويلة تحت الشمس، تخللتها اشتباكات متكررة مع قناصة العدو، قبل أن تصل إلى مشارف المنطقة وتخوض معركة استمرت حتى ساعات المساء.

 

معركة عين طلاوي

بعد إغلاق ثغرة سنجار التي كان التنظيم يستخدمها للتنقل بين سوريا وشمال العراق، شاركت القوة في تحرير قرية عين طلاوي، عبر تقدم محسوب على المحور الأيسر من أرض القرية، رافقه استخدام الجرافات لصنع سواتر ترابية متقدمة توفر غطاءً للمقاتلين. تسجّل الشهادة في هذه المعركة استشهاد المجاهد حيدر الجنابي بعد نجاحه في تفجير سيارة مفخخة كانت تتجه نحو مواقع القوة.

 

تحرير قريتي العبرة الصغيرة والعبرة الكبيرة

في أعقاب عين طلاوي، تقدمت القوات نحو قريتين أصغر حجمًا، حيث نفّذت خطة التفافية أجبرت عناصر التنظيم على الفرار من دون مقاومة تُذكر، باستثناء عنصر واحد عُثر عليه مختبئًا في نفق أسفل أحد البيوت.

 

تحرير مدينة تلعفر

توثّق الشهادة معاناة أهالي تلعفر، الذين وصفتهم بأنهم تعرّضوا لحملة ممنهجة من القتل والتهجير على يد التنظيم بسبب انتمائهم المذهبي. شاركت قوة الإمام المجتبى في عملية التحرير ضمن جهد أوسع للحشد الشعبي، الذي واجه تحصينات ترابية أقامها التنظيم عبر الطرق الرئيسة، واضطر للقتال داخل نسيج المدينة القديمة الضيق بيتًا بيتًا، عبر مفارز صغيرة لا يتجاوز عديد كل منها خمسة مقاتلين، نظرًا لطبيعة الأزقة الضيقة التي لا تسمح بتحرك أعداد أكبر.

 

مواقف موثّقة من الميدان

تختم الشهادة بعدد من المواقف التي يصفها السيد الموسوي بأنها "لا تُنسى":

ساتر الحوزة: مقطع صغير من الساتر العام لا يتجاوز طوله خمسة وعشرين مترًا، حمل هذا الاسم لأن من ثبتوا فيه كانوا حصرًا من طلبة الحوزة العلمية في الحلة، الذين اضطلعوا، إلى جانب دورهم القتالي، بدور مرجعي في الفصل بين المشروع والممنوع من التصرفات في ساحة المعركة.

 

موقف مع آمر الفوج الثالث المدرع: يروي فيه كيف نبّه أحد الضباط إلى خطورة تقدّم مجموعة من المقاتلين دون غطاء كافٍ داخل أرض مليئة بالعبوات الناسفة والبساتين الكثيفة، وهو الموقف الذي انتهى بتنسيق مشترك أدى إلى تحرير جرف الصخر.

 

مجاهد بعصا: موقف طريف ومؤثر لمقاتل واجه العدو في بداية الأمر بعصا خشبية معلنًا ثقته بالنصر بفضل الإيمان، ليظهر بعد أشهر مقاتلًا مدرَّبًا ومسلَّحًا في معارك بيجي.

 

هجوم أثناء الصلاة: تصف الشهادة كيف تعرّض الساتر لهجوم مباغت بينما كانت مجموعة من المقاتلين تؤدي صلاة الجماعة، فاستمر المصلّون في صلاتهم رغم كثافة النيران المارة فوق رؤوسهم، دون أن يُصاب أحد منهم.

 

التعامل مع النازحين: تسجل الشهادة شهادة إحدى النازحات التي أقرّت بأن بعض مقاتلي الحشد الشعبي هم من أبناء عمومتها، وأن الحشد عامل العائلات النازحة، على اختلاف مناطقها، بما وصفته الشهادة بـ"الرحمة والاحترام"، قبل أن تُسلَّم هذه العائلات إلى الجهات الرسمية المختصة في الدولة.

 

المصدر التوثيقي| موسوعة فتوى الدفاع الكفائي بتصرف| الجزء 39 صفحة 40

 

مواضيع ذات صلة