البحث المتقدم

البحث المتقدم

الأمّ..حين تتحوّل المنصّة إلى رسالة

0 تقييم المقال

 

قراءة إعلامية في مهرجان روح النبوّة الثام

 

في صباحٍ لم يكن عابرًا في ذاكرة المكان، حضرتُ مهرجان روح النبوّة الثامن، لا بصفتي ضيفةً فحسب، بل بعينٍ إعلاميةٍ صحفيةٍ اعتادت أن تفتّش عن الرسائل التي تختبئ بين السطور، وعن المعاني التي لا تُقال مباشرة، لكنها تُزرَع في الوجدان بهدوء.

 

كان حفل تخرّج بنات الكفيل العاشر أكثر من احتفالٍ أكاديمي؛ كان بيانًا قيميًا، ومشهدًا تربويًا، ودرسًا اجتماعيًا متكامل الأبعاد. فمنذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن المهرجان لا يكتفي بالفرح، بل يُصرّ على أن يُحمِّل الفرح رسالة، وأن يجعل من المنصّة منبرًا للوعي.

 

حين تكلّم القرآن… وتقدّمت الأم

 

وقف قارئُ قرآن العتبة العباسية ليؤدي تلاوته، بصوتٍ يحمل مهابة النص وقدسيته. وفي لحظةٍ خاطفة، تلقّى اتصالًا من والدته. لم يتجاهله، ولم يؤجّله، ولم يعتذر عنه. أجاب… أمام الجميع.

ذلك المشهد، على بساطته الظاهرية، كان أبلغ من خطابٍ كامل عن البرّ.

 

لم يكن في الأمر خروجٌ عن الوقار، بل تكريسٌ له. رسالة عملية تقول:

 

إن البرّ لا يُؤجَّل، وإن الأم لا تنتظر انتهاء الطقوس، لأنها أصل الطقس.

 

بعد التلاوة، لم يغادر القارئ المنصّة كما يفعل كثيرون، بل ألقى قصيدةً عن الأم، قصيدة لم تكن ترفًا شعريًا، بل امتدادًا طبيعيًا للموقف. وكأنّ القرآن أراد أن يُتَرجم شعرًا، وكأنّ الشعر أراد أن يُعيدنا إلى الآية الأولى في بناء الإنسان: الأم.

 

القادة لا يُصنعون صدفة

 

هنا، لم يكن الحديث عن الأم خطابًا عاطفيًا مجرّدًا، بل رسالة اجتماعية عميقة:

 

إن القادة، والصالحين، وأصحاب الأثر… لا تصنعهم المؤسسات وحدها، بل تصنعهم الأرحام الواعية.

 

في زمنٍ يركّز على المنتج النهائي وينسى المصنع، جاء هذا المشهد ليقول بوضوح:

إن المرأة – الأم – هي البنية التحتية الأولى لأي نهضة.

 

ولم يكن هذا المعنى معزولًا عن السياق العام للمهرجان، ولا عن كلمة سماحة السيد التي أكدت أن بناء الإنسان يبدأ قبل المدرسة، وقبل المنهج، وقبل الشهادة… يبدأ في حضن أمٍ تعرف من تُربّي، ولماذا تُربّي، ولأي طريق.

 

اختيارٌ إلهي لا عشوائية فيه

 

حين ندرس هذا المفهوم عبر التاريخ، نجد أن الاختيار الإلهي للأمهات لم يكن اعتباطيًا.

الله سبحانه وتعالى، حين اختار الأنبياء والأولياء، اختار لهم أمهاتٍ يحملن الاستعداد الروحي والتربوي لصناعة تلك القامات.

• السيدة آمنة لم تكن مجرّد وعاءٍ لرسالة، بل كانت سكينةً سبقت النبوّة.

• أم موسى لم يُذكر اسمها، لكن ذُكر فعلها الأعظم: الثقة بالله في لحظة الرعب.

• السيدة مريم لم تُذكر كأم فقط، بل كنموذجٍ للطهر الذي يسبق المعجزة.

 

وفي مدرسة أهل البيت عليهم السلام، تتجلّى الصورة أوضح:

• السيدة خديجة عليها السلام لم تكن فقط أمّ الزهراء، بل كانت الحاضنة الأولى للإسلام، والظهير النفسي والاقتصادي للنبوّة. فكيف لا تكون ابنتها سيّدة نساء العالمين؟

• السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، حين أنجبت الحسن والحسين، لم تُنجب شخصين، بل أنجبت مسارًا تاريخيًا كاملًا من الإمامة والشهادة.

• أمّ البنين، لم تُنجب العباس فقط، بل أنجبت نموذج الوفاء المطلق، لأنها ربّت أبناءها على أن يكونوا مشروع تضحية لا مشروع مجد شخصي.

 

وهنا تتقاطع هذه القراءة التاريخية مع ما أكده سماحة السيد في كلمته:

أن الأم ليست تفصيلًا في السيرة، بل مفتاحها.

 

بنات الكفيل: تخرّج.. أم انتقال مسؤولية؟

 

في هذا السياق، بدا تخرّج بنات الكفيل العاشر انتقالًا من مرحلة التلقّي إلى مرحلة الأثر. فهؤلاء الفتيات لا يحملن شهاداتٍ فقط، بل يحملن إرثًا قيميًا يُنتظر منهن أن يُترجمنه في المجتمع.

 

المهرجان، وهو يحتفي بهن، لم يقدّم لهن صورة النجاح الفردي فقط، بل وضع أمامهن نموذج الأم الواعية، ليقول لهن:

 

أنتنّ مشاريع أمهات قبل أن تكنّ مشاريع موظفات أو مختصّات.

 

وهذا الطرح، في رأيي الصحفي، هو طرح شجاع في زمنٍ يخاف من تسمية الأدوار، ويخلط بين الحقوق والوظائف. فتكريم الأم لا يعني حصر المرأة، بل يعني تعظيم دورها الحقيقي في صناعة المستقبل.

 

حين يتحوّل الاحتفال إلى خطاب حضاري.

 

خرجتُ من مهرجان روح النبوّة الثامن وأنا على يقين أن ما شهدته لم يكن تفصيلًا عابرًا في برنامج، بل خطابًا حضاريًا متكاملًا:

القرآن، الأم، الكلمة، التاريخ، والمرأة المتعلّمة… كلها اجتمعت لتقول شيئًا واحدًا:

 

إن الأمة التي تعرف كيف تكرّم أمّهاتها، تعرف كيف تصنع قادتها.

 

وهكذا، لم يكن المهرجان احتفالًا بنهاية مرحلة، بل إعلانًا هادئًا عن بداية وعيٍ جديد، يبدأ من الأم… وينتهي بصلاح المجتمع.

نعم
هل اعجبك المقال