البحث المتقدم

البحث المتقدم

أنثروبولوجيا المقابر الجماعية في العراق ضحايا الإيزيديين (الوجبة الأولى)

2 تقييم المقال

أنثروبولوجيا المقابر الجماعية في العراق

ضحايا الإيزيديين (الوجبة الأولى)

 

 

د. رائد عبيس

 

الحديث عن أنثروبولوجيا المقابر الجماعية، لا سيما في ما يتعلق منها بالمقابر الجماعية الإيزيدية، يحيلنا إلى تاريخ طويل من "الفرمانات" –بحسب اصطلاحهم– التي تشير إلى الإبادات الجماعية المتكررة التي تعرضوا لها عبر حقب تاريخية متعاقبة. فقد ارتكب التنظيم الإرهابي (داعش) ما يُعرف بالفرمان الرابع والسبعين، ليصبح تاريخ الإيزيديين الأنثروبولوجي مليئاً بالعناصر والأحداث التي تغطي تفاصيل هذا التخصص المعرفي، الذي يبحث في طبيعة هذه المقابر، وكيفية تكوينها، وجناتها، وأماكن دفنها، وصولاً إلى فحوص الحمض النووي (DNA) وغيرها من التفاصيل الدقيقة.

ربما كان تاريخ هذه الإبادات ينحصر سابقاً في سياقها الاجتماعي والعسكري وعوامل مساعدة أخرى؛ إلا أن الإبادة الجماعية الأخيرة تميزت عن سابقاتها بالتوثيق الفيديوي والصوتي، والمشاهدات المسجلة والمكتوبة، والشهادات الحية عبر أهالي الضحايا. وما يميزها كذلك هو البعد التقني في المسح الميداني عبر أجهزة الليزر للبحث عن مدافن الضحايا، أو عبر تقنيات التحليل البيولوجي والمطابقة الجينية، وغيرها من التقنيات التي استُعين بها لتعزيز الأدلة المادية على تلك الجرائم الوحشية التي ارتكبها هذا التنظيم بحق الإيزيديين ومن راح ضحيةً معهم.

إن الغزارة المعرفية في تحليل الأبعاد الأنثروبولوجية لمحتويات هذه الإبادة ومخلفاتها تمثل نافذة حقيقية لفهم هذا المكون من الداخل؛ فهي تنقلنا إلى حيثيات حياة هذه الجماعة، وعلاقتها بمحيطها الاجتماعي والسياسي، ووضعها الاقتصادي، وروابط التفاعل مع المكونات الأخرى، وصولاً إلى فكرة الاندماج المجتمعي، حيث عُرف عنهم سابقاً العزلة والانغلاق حتى في الزواج ضمن نفس الطائفة. يضاف إلى ذلك أنثروبولوجيا دينهم الذي يُعد ميزة فريدة قياساً بالمكونات العراقية الأخرى، وقدرتهم العالية على التحدي في مواجهة الظروف الناجمة عن هذا الفرمان، ومدى اعتزازهم ببلدهم، وبلداتهم، ومناطقهم، وأملاكهم، وكيفية مقاومة الهجرة الجماعية التي فُتحت أبوابها لهم نحو أوربا وأستراليا وأمريكا وغيرها.

فقدرتهم على الصمود تضفي أبعاداً جديدة لمعارف أنثروبولوجيتهم، وتكشف مدى جلدهم في مواجهة الحقيقة التي ما زالت تمثل صدمة كبرى لهم؛ إذ خُذلوا اجتماعياً وسياسياً، ووُضعت الضيقات عليهم، وما زال كثير منهم يعيش في مخيمات النزوح.

ولم تخرج أنثروبولوجيا الإبادة الإيزيدية عن محيطهم الجغرافي المتمثل في جبل سنجار (شنكال)، وكوجو، وشيخان، ولالش، وغيرها. فالمقابر الجماعية التي غيرت معالم هذه الجغرافيا –حيث يُقتل الناس في أماكن شتى ويُعثر عليهم في مدافن غير نظامية– شكلت لهم خصوصية أنثروبولوجية قائمة على تراكم المآسي والإبادات، حتى انتهوا إلى قناعة بعدم وجود سبيل لمنع تكرار ذلك بحقهم. دفعهم هذا القلق الوجودي إلى المبادرة في تشكيل فصائل مسلحة لحماية المرأة الإيزيدية، وفصائل أخرى لحماية المكون بشكل عام، وصولاً إلى "قوة حماية سنجار" التي صارت جزءاً أساسياً من هوية المكون السوسيولوجية والسياسية والأمنية.

لقد شكل الموت الذي طال أبناء المكون الإيزيدي حالة من الرعب والحزن التاريخي، استُذكر من خلالها كل تاريخهم المثقل بآلام الإبادة، والمخاوف من الشريك في الأرض والوطن والعمل وغيرها. لقد مات كثير منهم، فصُنف بعضهم في عداد المفقودين لعدم العثور على جثثهم أو أي أثر لهم، بينما أُدرج آخرون في قوائم الموتى رسمياً، وبقي فريق ثالث في عداد المغيبين قسراً.

وبقي الأهالي الناجون رهيني لوعة الفقد، وألم الحزن، وصدمة الواقع الذي فرّق العائلات، وشتّت الأصول والفروع. لقد كانت هذه المأساة واقعاً معاشاً يومياً تحول إلى تفاصيل في أنثروبولوجيا إبادتهم، وبقيت أسرارها في صدورهم على الرغم من الجهد التوثيقي الكبير الذي بذلته أطراف عدة محلية ودولية.

وكانت إحدى أبرز هذه الجهود عائدة إلى فريق التحقيق الدولي بجرائم داعش (يونيتاد)، الذي جمع شواهد كثيرة لإثبات أن هذه الجريمة تمثل إبادة جماعية، وجريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية؛ وهي جريمة مكتملة الأركان وبجرم مشهود. ومع تعالي أصوات المطالبين من أهالي سنجار وغيرها بالعثور على أبنائهم المفقودين، جرى العثور على الكثير منهم قتلى في مدافن جماعية –ولا نقول قبوراً جماعية، إذ لم يكن لدى عناصر داعش أي اهتمام بتحقيق الدفن الشرعي لهم، فأُهملوا ودُفنوا كيفما اتفق، غايةً في إخفاء الحقيقة والجريمة لا بغرض الدفن.

وقد تضافرت الجهود الوطنية والدولية للكشف عن هؤلاء الضحايا الأبرياء، حتى عُثر على الدفعة الأولى التي سُميت بـ "الوجبة الأولى"، توجساً لوجود وجبات ومواقع دفن أخرى كثيرة تتناسب مع الأعداد الكبيرة المتوقعة للضحايا.

الوجبة الأولى ومحتوياتها:

كانت الوجبة الأولى تضم 104 رفات لضحايا قتلهم تنظيم داعش منذ عام 2014، وقد جرى الكشف عنها في عام 2020 موزعة على 17 مقبرة جماعية أو مدفناً جماعياً. وهي تخص ضحايا إيزيديين تعمد التنظيم قتلهم تحت الإكراه، إما لرفضهم التخلي عن دينهم والانتماء للتنظيم، أو لمواجهتهم عناصره، أو إثر وشايات وقتل تعسفي بلا دوافع واضحة. لقد كان القتل لدى تنظيم داعش الإرهابي جزءاً من العبث والاستهانة بالدم والروح والحياة، إذ تراوحت أعمار الضحايا بين 12 و82 سنة، وهو ما يؤكد النزع الإبادي الخالص الذي مارسه التنظيم بحقهم.

لقد التزم مجتمع الضحايا بالمطالبة بالكشف عن مصير أبنائهم والمساعدة في ذلك، وبعد الاكتشاف تبدأ رحلة البحث عن الهويات عبر تقنيات تحليل الحمض النووي (DNA) والتحليل الأنثروبولوجي، ثم تُنقل الرفات إلى الطب العدلي في بغداد. يتبع ذلك صبر الفاقدين من الأهالي، وعذاب الانتظار، وقلق النتيجة، وصدمة سماعها، وقبول الواقع، وصولاً إلى الاستعداد لنقل الضحايا إلى المدافن الرسمية والشرعية. إنهـا رحلة عسيرة من الألم الأنثروبولوجي لهؤلاء السكان الإيزيديين؛ تفاصيل جديدة شكلت لديهم ذاكرة تفصيلية عن مكونات الألم بعد الإبادة، وهي تفاصيل لم يشعر بها إلا من عاشها بالدموع والموت البطيء. وقد عايشنا هذا الواقع بأنفسنا عند مشاركتنا معهم في إحياء اليوم الوطني في 3 آب (أغسطس)، حيث كانت المأساة بادية عليهم بشكل مخيف.

وكل ما مرّت به "الوجبة الأولى" من إجراءات، مرت وتمر به بقية الوجبات، حاملةً معها ذات الظروف الاجتماعية، والنفسية، المثقلة بالهم، والحزن، والانتظار لأهالي الضحايا؛ بل إن هناك من لم يجد أهلاً من الأساس، إما لأن العائلة بأكملها كانت ضحيةً للإبادة، أو لأن أفرادها في المهجر، أو غُيبوا حتى بلغ اليأس مداه.

 

 

 

 

نعم
هل اعجبك المقال