البحث المتقدم

البحث المتقدم

الهوية المكانية للمقابر الجماعية

0 تقييم المقال

 

المقابر الجماعية في العراق ليست أماكن عادية ، بل كسبت أهمية استثنائية نتيجة عوامل كثيرة زادت من تلك الأهمية وتغير بها معنى المكان واضفت عليه صبغة جديدة من التوصيفات ، تحققت بها مسميات جديدة للأرض التي أصبحت مقبرة سواء كانت باختيار مقصود أو بالاتفاق.

يناقش هذا المقال فكرة مشكلة اختيار مكان المقبرة ، وبها نتساءل من أختار مكان مقبرة الضحايا ؟ هل كان اختياراً مقصودا أم اختياراً عشوائيا ؟

إجابة هذه الأسئلة يكشف عن مدى تمادي النظام البعثي في اجرامه ، والقصدية الجرمية في هذه الفعلة ، بل ولعلها القصدية المطلقة في كل ما كان يفعله في دفن الضحايا أحياء وأموات في مقبرة جماعية.

لعل اختيار المكان بتمعن يضفي أهمية على الضحية لما يشكله من خطوة على النظام من جهة وما يخشاه من قتلهم من جهة أخرى، واذا كان الأختيار عشوائيا بمعنى ان النظام البعثي كان في مأمن من جريمته ولا يخشى فيها احد أو لايضفي أي أهمية على الضحايا بل يعكس أيضا الاستعجال في التنفيذ والسرعة فيه ، وهذا ما حدث فعلا في مواقع المقابر الشعبانية الجماعية! على العكس مما كان يعده للكورد من عدة المدافن والأختيار الآمن للجريمة من الاكتشاف.

ولا نعلم هل كان النظام البعثي المجرم أو الدواعش الذين خلفوا مقابر جماعية كان يقصدون هذه التسمية ام إنها كانت بنظرهم حفرة لدفن أشلاء أناس تخلصوا منهم حقدا وعدوانا؟!

ولعل تسمية مقبرة كان فيها نوع من التكريم لم يقصدوه هؤلاء الجناة بحق ضحاياهم ؟! هكذا يبدوا في كثير من المقابر التي اكتشفت وكان فيها الضحايا عبارة عن ركام جماعي من الجثث والرفات ، على خلاف بعضها كانت تحفر لهم حفر وقبور متجاورة يظهر نوع من التكريم للموتى ولعه كان بفعل عناصر من غير المنفذين . كأولئك الذين يقتلونهم جماعياً ويرسلونهم إلى المقابر .

فالمقابر الجماعية في العراق هي غير تلك المتصورة في كونها مقبرة في الخلاء وبعيدة عن الأعين . بل قد تحقق بعضها في قتل جماعي ودفن جماعي مشترك، أو منفرد ضمن المدافن الرسمية في أرض مخصصة كمقبرة فعلاً .

فالهوية المكانية للمقبرة الجماعية تكسب أحيانا صفة المقابر الرسمية أو المقابر العشوائية، أو المقابر الجماعية غير الرسمية التي هي عبارة عن مدافن جماعية عبثية.

كيف تحققت الهوية المكانية للمقابر الجماعية ؟

الجواب :

  1. تحققت هوية هذه الأماكن من عينة الضحايا.
  2. ومن اختيار مكان الدفن الجماعي.
  3.  ومن الأهمية الزمنية لأماكن الدفن الجماعي.
  4.  ومن اختيار مسمى هذه المقابر.
  5.  ومن الصفة التي كسبتها هذه المقبرة حين الاكتشاف وقبل إضفاء الصفة او رفعها.
  6.  ومن الأحداث والمراسيم والظروف التي رافقت اكتشاف هذه المقابر او ما بعدها . لأن بعض المقابر الجماعية لا سيما في سبايكر أصبحت مكان يقصده أهالي الضحايا لاحتفاء بذكرى الجريمة ، وهذا تحول كبير في تحقق هوية المكان لهكذا مقابر ومدافن.
  7.  تحققت هذه الهوية المكانية بفعل الذاكرة الجمعية التي ارتبطت بها وبمسماها.
  8.  تحققت الهوية المكانية لهذه المقابر عبر التشريعات قانونية التي حددت مسماها في نصوص القوانين.
  9.  اليوم الوطني للمقابر الجماعية في العراق 16 آذار من كل عام يعزز الهوية المكانية للمقابر الجماعية.

فكرة هذا المقال ربما تستدرجنا الى توسعة أكثر من الرقعة الجغرافية التي تضم مساحة المقبرة ، والمراد بالهوية المكانية للمقبرة الجماعية هو أكبر بكثير من جغرافية المقبرة ذاتها مع أهميتها في إضفاء جزء من هويتها على المكان وحيثياته.

فالهوية المكانية لها هو انصراف للمشاعر وللذاكرة وللمسمى وقرائنه ونمط التفكير والانطباعات والوجع والألم والتعويض أو عدمه والذكرى , فهي حدث ليست مكان فقط ، ومضامين وليس مساحة ، ومعطيات وليست صورة نمطية قد اعتاد عليها العاملون واقصد(خبراء المقابر الجماعية) هي عينات وليست تربة فقط.

هنا تغير مفهوم الأرض التي تضمها واختلفت هوية المكان تبعا لجسامة الحدث ونوع العينات واعداد الرفات ومسماها التي كسبته وحافظت عليه . يبقى ما يعوز هذه الهوية هو مقدار المحافظة على مكان المقابر الجماعية على مكانها وموقعها بدل ان ترفع عنها الصفة وتساوى مع غيرها. ومع ما هو واقع بالفعل، هو تغيير صفة المقبرة التي ترفع منها الرفات وتتحول الى ارض عادية ، فتفقد بها هويتها التي من المفترض ان تحافظ عليه أو أن تضفى عليها صبغة اكثر أهمية لتعزيز هويتها.

قد تختفي هذه الصفة والهوية من بعض المواقع مع زوال أهميتها بعد الاكتشاف وبعد نقل الرفات عنها او بعد اختيار مكان جديد لها، فالهوية المكانية للمقبرة الجماعية الذي يكسبه مكان الإكتشاف هو أكثر أهمية من المكان الجديد الذي يتم اختياره كمدفن جديد من قبل أهالي الضحية وكأن يكون مقبرة وقبر اعتيادي ، فرغبة نقل الضحية من قبر غير عادي الى قبر اعتيادي هو ضياع للقيمة الأصيلة التي كان من المفترض ان تحافظ على تلك الهوية ! كان بإمكان الجهات الرسمية أو الأهالي ان يختاروا نفس المكان الذي دفن فيه ضحايا المقابر الجماعية ان يكون مقابر رسمية ، بعد إعادة دفنهم في نفس المكان التي رفعوا منها لفحص الحمض النووي او لأغراض تنظيمية بدل من رفع الصفة القانونية التي ساهمت في إزالة مسرح الجريمة ، بهذه الحالة نحقق أهمية مكانية وهوية مختلفة عن تلك الهوية المكانية المصطنعة التي سميت فيما بعد مقبرة نموذجية وإن كانت تعطي صورة من التكريم خارج هذا السياق.

فالأختيار العشوائي للجريمة ، كان يجب أن يكون مكان مقصود في إضفاء طابع جديد لتلك الجريمة عبر تكريم ضحاياها بنوع من الاهتمام في تكوين هوية جديدة للمكان ، فالمقابر الجماعية التي اكتشفت في داخل المدن او قريبة منها كان بإمكانها ان تعطي رسائل قوية لو بقيت مكانها برفاتها بعد إعادة تنظيمهم في قبور رسمية ومنظمة ، لكانت تعطي رسائل يومية لكل المارة من الناس الذين يقفون لقراءة سورة الفاتحة والترحم عليهم . لكان تجسيد حقيقي ومثال ظاهر عن هوية تلك الجريمة التي صبغت بإجرام البعث واتباعه من القاعدة وداعش.

 

 

 

 

 

 

 

 

نعم
هل اعجبك المقال