البحث المتقدم

البحث المتقدم

أنثروبولوجيا المقابر الجماعية في العراق: الضحايا والإيزيديون (الوجبة الرابعة)

4 تقييم المقال

أنثروبولوجيا المقابر الجماعية في العراق: الضحايا والإيزيديون (الوجبة الرابعة)

د. رائد عبيس

 

 

كل وجبة من الضحايا المكتشفين تعني هناك مساحة جديدة من رقعة جغرافية الجريمة، وميدانًا جديدًا يتسع أحيانًا أو يضيق بحسب عدد المقابر الجماعية ومواقعها، والمسافة الفاصلة بينها من حيث تزامن الجريمة ووقت التنفيذ، واختيار المواقع المناسبة لإخفاء الضحايا، حيث تلعب نوعية التربة، وعمق الإقبار، والأعداد المختار دفنها دورًا في تلك الحفر المسماة "مقبرة جماعية".

لقد أصبح الضحايا بموجب ذلك يُسمون بـ "وجبة، وقائمة، ودفعة". بل وتغير أسماؤهم أنثروبولوجيًا وبدؤوا يُعرفون بـ "عينات، وجينات، وحمض نووي، ورفات". هكذا تحول البشر وتداعت أبعاد الجريمة، إذ لم يعد لتلك الأفراد من رجال ونساء وأطفال أي مسمى سوى "الضحية"، وهي صفة تستوجب التعاطي معها بأبعاد قانونية، وحقوقية، وسيكولوجية، وانثروبولوجية؛ تشمل تشخيص الجاني، وتوفير الحماية القانونية للعينات من التلف، ووسائل حفظها، وتشخيصها، واكتشاف جيناتها وجنسها وطبيعة الجرم الذي طالها.

يفرض السياق الفني والرسمي للتعامل مع الضحايا حالة من التكيف القانوني والاجتماعي مع ذويهم وأهاليهم، إلى جانب الحصانة القانونية التي يوجبها القانون في كيفية التعامل مع الرفات. حيث تفرض قوانين الطب العدلي، وحماية المقابر الجماعية، وحقوق الشهداء آليات تطبيقية واقعية لحماية البشر في حالة الرفات، تمامًا كما لو كانوا في حالة الحياة.

في حالات اكتشاف مواقع جديدة للمقابر الجماعية — وهو المعمول به — تُتبع خطوات صارمة تبدأ بحماية الموقع المكتشف، مرورًا بالتنقيب الفني، وحفظ العينات الرفاتية، والاحتفاظ بدلالات الجريمة، وتصوير المكان وقياس أبعاده، والحفر الفني الآمن لتجنب الإضرار برفات الضحايا. بعد ذلك، تُنقل العينات بأدوات خاصة وتحفظ بوسائل دقيقة من مسرح الجريمة إلى مسرح المختبرات العلمية والتحليلية، حيث يتم التعامل التقني مع الضحية في حالتها الرفاتية لإجراء المطابقة الجينية ومن ثم إعلان النتائج.

لتنتقل الرفات بعد ذلك من مرحلة الفحص المختبري المادي إلى مرحلة التقدير المعنوي؛ حيث تُقام مراسم التسليم والاستلام، والاستعلام، والتشيع، والدفن، ووضع أكاليل الورود كخلاصة لمرحلة الوداع، تليها مراحل إحياء الذكرى، والمناسبات التخليدية، والمطالبات الدائمة بالحقوق والإنصاف والتخليد.

إن هذا المسار برمته، بمرور الضحايا بمختلف عناوينهم (من عينة في قبر إلى نعش يلفه اللحن الجنائزي)، يمثل خصائص أنثروبولوجية تحتاج إلى تحليل مكثف لكل ما تتضمنه من معانٍ في تعزيز هوية المقابر الجماعية، وتلك الخصائص الخاصة بكل مكون اجتماعي، سواء أكان إيزيديًا أم شيعيًا أم غيرهم من الضحايا.

وقد جرى مؤخرًا كشف ثلاث مقابر تمثلت عيناتها في (الوجبة الرابعة) من ضحايا تلك المقابر، والتي بلغ عدد ضحاياها ما يقارب 41 ضحية تم العثور عليهم في عام 2024 في قرى: كوجو، وقنى، وحردان. وأُقيم لهم تشييع مهيب في نصب الشهيد بحضور رسمي وشعبي، قبل أن يُنقلوا إلى سنجار لدفنهم هناك بحضور رجال الدين وأهالي الضحايا، في دفن مكرم يليق ببراءتهم.

على صعيد آخر، واجهت دائرة الطب العدلي تحديات فنية كبيرة في التعرف على جينات الضحايا؛ يعود أبرزها إلى التركيبة الاجتماعية وأنثروبولوجيا المكون الإيزيدي التي تمنع الزواج خارج المكون وتقاليد زواج الأقارب. يضاف إلى ذلك تلف العينات وصعوبة التعرف على الجينات بسبب طول المدة الزمنية بين القتل واكتشاف الحفر، فضلًا عن هجرة كثير من ذوي الرفات مما تعذر معه الحصول على عينات منهم، ورفض بعضهم التعاون بسبب مخاوف يتوقعونها عند العودة إلى العراق.

لذلك، يظل البحث الأنثروبولوجي في مشهد القضية الإيزيدية ومقابرهم الجماعية، بحثا بالغ التعقيد.

 

نعم
هل اعجبك المقال