البحث المتقدم

البحث المتقدم

الْمَقَابِرُ الْجَمَاعِيَّةُ فِي الْعِرَاقِ مِنَ الْعَيِّنَةِ الطَّبِيعِيَّةِ إِلَى الْعَيِّنَةِ الْمُخْتَبَرِيَّةِ

0 تقييم المقال

 

 

تنطلقُ الركيزةُ الأساسيةُ في هذا المقالِ من الوضعِ الطبيعيِّ لشؤونِ المقابرِ، التي يحتاجُ فيها الدفنُ إلى مَرَاسِيمَ خَاصَّةٍ؛ يستبعدُ معها أن نجدَ رفاتاً ملقاةً على الأرضِ، أو نتوقعَ أن تمتدَّ لها الأيادي في تحصيلِ عينةٍ منها.

إلا أنَّ الأمرَ في الْمَقَابِرِ الْجَمَاعِيَّةِ العبثيةِ التي خلفها النظامُ البعثيُّ أو الجماعاتُ الإرهابيةُ في العراقِ (مثل: القاعدة وداعش)، لم تُراعَ فيها الأسسُ الشرعيةُ في التعاملِ مع الجثثِ، كما لم تُراعَ فيها الأصولُ الإنسانيةُ حين وقعَ أصحابُ هذه الجثثِ فريسةً بين أيدي هذه الْوُحُوشِ الْمُتَأَدْلِجَةِ.

ومع ذلك، نسجلُ إشكاليةَ فكرةِ هذا المقالِ مع المقابرِ الجماعيةِ وعيناتها التي وُجدت قبل سقوطِ النظامِ وبعده، أو حتى في عملياتِ الْإِبَادَةِ الْجَمَاعِيَّةِ التي خلفها الإرهابُ. فكثيرٌ من الْعَيِّنَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ للضحايا وُجدت مكشوفةً على الأرضِ؛ ويشيرُ هذا الكشفُ إلى أنَّ هذه الرفاتِ لم تكن مدفونةً بشكلٍ سليمٍ، أو أنَّ عواملَ أخرى ساعدت على ظهورها نتيجةَ عَوَامِلِ التَّعْرِيَةِ أو الحفرِ العشوائيِّ. مثل :

مقبرةُ بابِ طويريج في كربلاء المكتشفة في 27/ 9/2025.

  • مقبرةُ مِهاري التي اكتشفها راع أغنام .
  • مقبرةُ الناصرية التي اكتشفها عمالٌ في شركةٍ استثماريةٍ.
  • مقبرةُ حولي النجف التي اكتُشفت من قِبَلِ عمالِ .

هكذا يتمُّ اكتشافُ العيناتِ الطبيعيةِ للضحايا؛ إما بالعثورِ على بقايا عظامٍ، أو المقتنياتٍ في حالةِ تلاشي الرفاتِ نتيجةَ عَوَامِلَ بِيئِيَّةٍ قاسيةٍ كالأملاحِ والرطوبة ، والأحماضِ. كانت هذه العيناتُ المكشوفةُ تمثلُ عَلَامَةً مُؤَكَّدَةً على وجودِ مقبرةٍ جماعيةٍ في المكانِ. وبعد بدءِ عملياتِ الحفرِ، ننتقلُ إلى مرحلةٍ جديدةٍ تظهرُ فيها خصائصُ مغايرةٌ؛ حيثُ نجدُ هَيَاكِلَ عَظْمِيَّةً كاملةً، أو عيناتٍ مختلطةٍ يَصْعُبُ فَرْزُهَا.

وهنا ندخلُ مرحلةَ الانتقالِ من العينةِ الطبيعيةِ إلى الْعَيِّنَةِ الْمُخْتَبَرِيَّةِ؛ حيثُ الْفَحْصُ النَّوَوِيُّ (DNA) الذي يجمعُ بين مكوناتِ الهيكلِ العظميِّ للضحيةِ، لتتبعها مرحلةُ البحثِ عن العلاقةِ بذوي العينةِ، أي الانتقالُ من الْمُخْتَبَرِ إلى الْمُجْتَمَعِ.

إنَّ الفحصَ الأنثروبولوجيَّ هو رحلةُ بحثٍ جديدةٍ للضحيةِ عمَّن يتبناهُ ويتولى دفنَهُا مجدداً. وبها تكتملُ رحلةُ الجيناتِ في الْكَشْفِ الْهُوِيَّاتِيِّ؛ لتكونَ البصماتُ الوراثيةُ صامدةً بوجهِ الموتِ والزمنِ والأرض، معلنةً عن حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ لهويةٍ مجهولةٍ غيَّبها مَصِيرُ المقابرِ الجماعيةِ.

وقد كفلت الْقَوَانِينُ الدَّوْلِيَّةُ هذا الحقَّ في احترامِ الرُّفَاتِ، والتعاملِ مع بقاياها؛ بُغيةَ الوصولِ إلى الْحَقِيقَةِ الْجِنَائِيَّةِ في الأفعالِ الإجراميةِ التي ارتكبتها عصاباتُ النظامِ البعثيِّ والْإِرْهَابِيِّ. مثل : اتفاقية جنيف في المادة السابعة عشر منها ، والبروتكول الإضافي المادة 34 منه ، الذين نصا على احتَرام القُبور ورفاتَ الموتىَ في حالةِ النزاعات الداخليَّة والحروب.

من اللافتِ أنَّ الدماءَ والجثثَ قد تختلطُ، لكنَّ الْجِيناتِ الْوِرَاثِيَّةَ لا تختلطُ أبداً. لذا، فالمقابرَ الجماعيةَ في العراقِ ممكن أن تتحولُ من موضوعٍ عَدْلِيٍّ وجِنَائِيٍّ الى موضوع يستدعي ترسيخَ تخصصِ أَنْثُرُوبُولُوجْيَا الْمَقَابِرِ؛ ليكونَ شاهداً على الحقائقِ المُرَّةِ التي تجرعها العراقيون في تلك المساحاتِ التي اختيرت لتكونَ "عالماً جبرياً" وفقاً لإراداتِ الظَّلَامِيِّينَ.

 

نعم
هل اعجبك المقال