شهدت السنوات الممتدة بين 1803–1808م تصاعداً ملحوظاً في الهجمات الوهابية على مناطق العراق، في سياق صراع مركّب جمع بين الدوافع الدينية والسياسية والاقتصادية.
بدأت الأحداث المفصلية باغتيال الأمير عبد العزيز بن محمد آل سعود، إذ قام شخص يُدعى ملا عثمان – ويُعتقد أنه من العمادية قرب الموصل – بتنفيذ عملية اغتيال جريئة بعد أن تنكّر بزي درويش.
وقد وقعت الحادثة يوم 22 رجب 1218هـ الموافق 2 تشرين الثاني 1803م داخل مسجد الطريف في الدرعية، إذ قُتل الأمير في أثناء الصلاة، قبل أن يُقتل المنفّذ على يد عبد الله بن عبد العزيز آل سعود.
أعقب ذلك تولّي سعود بن عبد العزيز آل سعود الحكم، والذي سارع إلى شن حملة عسكرية انتقامية، مدفوعاً باعتقاد بأن والي بغداد يقف وراء عملية الاغتيال.
فكانت أولى حملاته باتجاه الزبير، إذ شن هجوماً دمويّاً استهدف المدينة، فهُدمت معالمها الدينية، ومنها قبة قبر الحسن البصري، وقُتل عدد كبير من سكانها، ثم حوصرت البصرة لمدة 12 يوماً دون أن يتمكن من اقتحامها، بسبب صمود حاميتها ووصول دعم من قبائل المنتفك، مما اضطره للانسحاب.
في 1220هـ / 1805م، اتجهت الأنظار إلى النجف الأشرف، أذ حاولت القوات الوهابية تكرار سيناريو كربلاء، إلا أن المدينة كانت قد عززت دفاعاتها بعد تجربة 1802م. ففشل الهجوم بسبب الخندق والسور المحيطين بالمدينة، وتكبّد المهاجمون خسائر، ما أجبرهم على التراجع.
لاحقاً، واصل سعود حملاته على مناطق عراقية أخرى، منها الهندية (طويريج) والسماوة، إضافة إلى تكرار الهجوم على الزبير دون نتائج حاسمة.
في المقابل، حاول والي بغداد علي باشا الرد على هذه التهديدات، فبدأ تحركاته في 9 شعبان 1219هـ الموافق 12 تشرين الثاني 1804م، إلا أن حملته واجهت صعوبات لوجستية كبيرة، خاصة في البيئة الصحراوية، مما أدى إلى فشلها في تحقيق أهدافها، واقتصارها على اشتباكات محدودة في مناطق مثل جبل شمر.
وفي مرحلة لاحقة، عاد الوهابيون لمحاولة غزو كربلاء، لكنهم اصطدموا هذه المرة بتحصينات قوية، لاسيما في السور الجديد، ما أدى إلى فشل الهجوم ومقتل عدد من قادتهم، بينهم أقارب للأمير سعود، واضطراره إلى الانسحاب.
استمرت الغارات بعد ذلك، ففي 1225هـ / 1810م هاجمت قوات بقيادة عبد الله بن سعود قوافل الزائرين بين النجف وكربلاء، إضافة إلى القرى المحيطة، ما دفع والي بغداد إلى تحريك قواته مجدداً.
بلغت هذه التوترات ذروتها حين تدخلت الدولة العثمانية، وكلفت محمد علي باشا بالقضاء على الدولة السعودية الأولى. وبعد صراع استمر لست سنوات، انتهى الأمر بسقوط الدرعية في 1818م، لتدخل المنطقة بعدها مرحلة من الهدوء النسبي.
الخلاصة:
تكشف هذه الفترة (1803–1808م) عن نمط واضح في الهجمات الوهابية قائم على المباغتة والحرب السريعة، مع استهداف مدن ذات رمزية دينية، في مقابل ردود فعل عراقية اتسمت بالضعف أحياناً، والتحصين الفعّال أحياناً أخرى، كما في النجف وكربلاء.
كما تعكس الأحداث تداخل العوامل المحلية بالإقليمية، وصولاً إلى تدخل عثماني حاسم أنهى هذا الطور من الصراع.




تقييم المقال

