البحث المتقدم

البحث المتقدم

الوحدةُ الاجتماعيةُ للمقابرِ الجماعيةِ

0 تقييم المقال


 

تُعدُّ المَقبرةُ الجماعيةُ، وفقاً للآثارِ الجنائيَّةِ، وحدةَ دراسةٍ متكاملةً؛ بكونِها محلاً يتضمنُ نتيجةً تعكسُ قبلَها سلوكاً ودوافعَ، فتكتملُ بها أركانُ الجريمةِ الماديةُ والمعنويةُ. وعندما يكونُ موقعُ الواقعةِ يحملُ هذه الأبعادَ الجنائيةَ، فهناك أبعادٌ أخرى تُظهرُ هذا الترابطَ الذي يُحولُ الضحيَّةَ إلى "عَيِّنَةٍ جنائيةٍ" بعد ما كان "عَيِّنَةً اجتماعيةً" وهدفاً إجرامياً للفاعلينَ.

تُشاركُ في هذا الجُرمِ في العراقِ -الذي خلَّفَ لنا المئاتِ من المقابرِ الجماعيةِ- نظامُ البعثِ والجماعاتُ التكفيريةُ على حدٍّ سواءٍ؛ بل تشاركوا فعلاً حتى في الأيديولوجيا القاتلةِ التي انتهت إلى نفسِ الجرميةِ. نتحدثُ عن هذا الموضوعِ وهو يشيرُ إلى عُمقٍ مؤلمٍ جداً، بل وتَرابطٍ قاسٍ يشرحُ معنى الوحدةِ الاجتماعيةِ قبل أن تكونَ وحدةً اجتماعيةً في قبرٍ جماعيٍّ؛ بمعنى أنَّ المقابرَ الجماعيةَ في العراقِ كشفت عن مِصداقٍ لهذه الوحدةِ بين الحياةِ وبين المماتِ. بل وانتهت إلى ترابطٍ أشدَّ حُزناً عندما نجدُ أعضاءَ هذه الوحدةِ الاجتماعيةِ مُحتضِناً أحدُهم الآخرَ، أو مُتجاوراً أحدُهم الآخرَ، أو يرى أحدُهم مصيرَ الآخرِ، في معنىً جديدٍ للوحدةِ؛ ولكن هذه المرةَ ليس في بيتٍ أو في كيانٍ اجتماعيٍّ، بل في وحدةِ المَدفَنِ الذي سُميَ فيما بعدُ بـ "مقبرةٍ جماعيةٍ".

للمقابرِ الجماعيةِ في العراقِ ميزةٌ قاسيةٌ لأنها متضمنةٌ لحقيقةِ هذه الوحدةِ؛ كشفت عنها كلُّ المقابرِ المكتشفةِ في العراقِ، ولا سيما المقابرُ الأخيرةُ في شمالِ العراقِ.

ماذا تتضمنُ الوحدةُ الاجتماعيةُ داخلَ المقابرِ الجماعيةِ؟ الإجابةُ عن هذا السؤالِ تحتاجُ إلى تبويبٍ لمعنى ومصاديقِ الوحدةِ الاجتماعيةِ داخلَ المقابرِ الجماعيةِ، منها:

أولاً: الوحدةُ الاجتماعيةُ والنَّوعُ الاجتماعيُّ: ما يؤلمُنا فعلاً أنَّ الوحدةَ الاجتماعيةَ في زمنِ النظامِ البائدِ تعرضت إلى تهديدٍ بالخطرِ الوجوديِّ، الذي تمثلَ بعدةِ وسائلَ؛ من تدميرِ الشَّملِ إلى الإبادةِ الحقيقيةِ بالقتلِ والتصفيةِ. وُجِدَ في المقابرِ الجماعيةِ في العراقِ -من الشمالِ إلى الجنوبِ- وحدةُ نَوعٍ اجتماعيٍّ؛ حيث جَمَعتِ النساءَ مع الرجالِ في قبرٍ واحدٍ، أو مقبرةٍ واحدةٍ تجمعُ الذكورَ والإناثَ والأولادَ والبناتِ. وهذا له دلالةٌ أنثروبولوجيةٌ كبيرةٌ؛ حيث يُقتَلُ النوعُ الإنسانيُّ مُهدَّداً بإنهاءِ وجودِ وحدةٍ اجتماعيةٍ كاملةٍ، قاطعاً بها المجرمونَ أصلاً من التنامي والتطورِ الجينيِّ والاجتماعيِّ، ومزيلاً أصلاً وجودياً من الهرمِ الاجتماعيِّ.

ثانياً: الوحدةُ الاجتماعيةُ القوميةُ: كثيرةٌ هي المقابرُ الجماعيةُ التي خصَّت قوميةً من قومياتِ العراقِ، ولا سيما القوميةَ الكرديةَ بالذاتِ، التي أوغلَ بها المجرمُ صدامُ إبادةً وقتلاً وتصفيةً؛ حتى بلغَ الأمرُ إلى إحداثِ مقابرَ جماعيةٍ خاصةٍ بهم بعد تعمُّدِ إبادتِهم بشتى طرقِ الإبادةِ، مثل: تَجريفِ قراهم، وإبادتِهم بالكيمياويِّ، وإبادتِهم بالموتِ الجماعيِّ. فجريمةُ الإبادةِ الجماعيةِ (الجينوسايد) الكرديةُ هددت الوحدةَ الاجتماعيةَ القوميةَ، وكان لها الأثرُ في تدميرِ نسيجِها الاجتماعيِّ؛ فالوحدةُ الاجتماعيةُ قبل الموتِ أصبحت ذاتَ الوحدةِ بعد الموتِ، انتقلت من فوقِ الأرضِ إلى تحتِ الأرضِ؛ حيث كان يجمعُهم القبرُ كأبناءِ دمٍ واحدٍ.

ثالثاً: الوحدةُ الاجتماعيةُ والهويةُ الجماعيةُ: فعلُ الجريمةِ الإباديةِ الذي ارتكبه البعثُ ساعدَ على تهديدِ الهويةِ الاجتماعيةِ للوحدةِ الاجتماعيةِ كـ أصغرِ نسيجٍ اجتماعيٍّ في جغرافيةِ هذه المدينةِ أو تلك. رأينا ذلك في حيثياتِ المقابرِ ومحتوياتِها من الرُّفاتِ المتجاورةِ التي جمعت أبناءَ مدينةٍ واحدةٍ؛ حيث نجدُ فيها الكرديَّ إلى جانبِ العربيِّ يحملانِ هويةً مشتركةً لمدينةٍ يسكنونها معاً.

رابعاً: الوحدةُ الاجتماعيةُ والوحدةُ السياسيةُ: ضمَّت تلك المقابرُ بين ثناياها وحدةً اجتماعيةً تحملُ هويةً سياسيةً خاصةً بها؛ جمعت أفراداً من توجهٍ سياسيٍّ معينٍ، تحققَ هذا المبدأُ بإبادةِ فئةٍ اجتماعيةٍ سياسيةٍ معينةٍ؛ فكانت هذه الهويةُ هي السببَ الرئيسَ في تهديدِ وحدتِهم وجودياً حدَّ الفناءِ، سواءً كانت يساريةً أم يمينيةً.

خامساً: الوحدةُ الاجتماعيةُ والوحدةُ الدينيةُ: أُبيدَت جماعاتٌ ووحداتٌ اجتماعيةٌ كاملةٌ بسببِ الوحدةِ الدينيةِ التي تجمعُهم؛ مثلما فعلَ إجراماً وإبادةً مع عائلةِ "آل طعمة" التي أُفنِيَت في أحواضِ التِّيزابِ لسببٍ دينيٍّ. فكانوا وحدةً جماعيةً دينيةً اجتماعياً، ووحدةً اجتماعيةً دينيةً رُفاتاً متجاورةً في نفسِ المقبرةِ.

أخيراً نقولُ: إنَّ المَقبرةَ الجماعيةَ لها مفهومٌ أوسعُ من مفهومِ الأرضِ "المدفنِ الجماعيِّ"؛ فممكنٌ أن تكونَ حوضَ تيزابٍ، وممكنٌ أن تكونَ قَبواً، وممكنٌ أن تكونَ بطونَ الحيواناتِ المفترسةِ، وممكنٌ أن تكونَ الخلاءَ نفسَه؛ حيث الرُّفاتُ غيرُ المغطاةِ بالترابِ والتي تكونُ عرضةً لأكلِ العُقبانِ.

 

نعم
هل اعجبك المقال