البحث المتقدم

البحث المتقدم

في حضرةِ الخالق: حينُ تنكشفُ أوهامَ السلطةِ والمالِ

0 تقييم المقال

في حضرةِ الخالق، تتلاشى كلَ الألقاب، وتسقطَ كلُ الهالاتِ التي أحاطَ بها الإنسانُ نفسهُ في وهمِ القوةِ والهيمنةِ. هناك، لا سلطانْ إلا للحق، ولا وزنَ إلا للعمل، ولا قيمةً إلا لما صدقَ فيهِ القلبُ قبلَ أنْ تنطقَ بهِ الألسن. 
  يقفَ الإنسانُ مجردا منْ كلِ ما جمعهُ في دنياه، لا تحميهُ سلطة، ولا يرفعهُ مال، ولا تنفعهُ حيلة. ففي تلكَ اللحظةِ الفاصلة، تنكشفَ الحقيقةُ التي طالما غيبتْ تحتَ بريقِ النفوذِ وزخرفِ الثروة: إنَ ما ظنهُ قوةً لمْ يكنْ إلا ضعفا مؤجلا، وما حسبهُ بقاءٌ لمْ يكنْ إلا زوالاً ينتظرُ وقته.
  لقدْ أغرتْ السلطةُ الكثيرين من البشر، فاستطالواَ بها على الناس، وظنوا أنَ دوامها منْ دوامهم، وأنَ قدرتهمْ على التحكمِ بالمصايرِ تمنحهمْ حصانةٌ منْ المساءلة، كما أغرى المالُ الحرام، نفوسا فاستمرأتْ جمعه، وغفلتْ عنْ ثقلهِ حينَ يعرضُ في ميزانِ العدل، وبينَ هذا وذاك، ضاعَ ميزانُ القيم، واختلطَ الحقُ بالباطل، حتى باتَ التسلطُ يلبسُ ثوبَ القوة، والفسادُ يقدمُ في هيئةِ نجاح. 
  عندَ لحظةِ الوقوفِ في حضرةِ الخالق؛ تعيدُ ترتيبَ كلِ شيء؛ تفضحُ الأوهام، وتكشفَ الزيف، وتردي الإنسانِ إلى حقيقتهِ الأولى: مخلوقٌ ضعيف، مسؤول عما فعل، ومحاسب على ما اكتسب، فهناكَ فقط، يدركَ المتسلطُ أنَ سلطتهُ كانتْ عاريةً منْ الحق، ويفهمَ جامعُ المالِ الحرامِ أنَ ما ظنهُ مكسبا كانَ في حقيقتهِ عبئا ثقيلا، إنها لحظةٌ لا تقبلُ التزييف، ولا تنفعُ فيها الأقنعة، بلْ يرى الإنسانُ كما هو، بلا زيادةٍ ولا نقصان.
 منْ هنا، تنبعَ الحاجةُ إلى مراجعةِ الذات، قبلُ أنْ تفرضَ المراجعة، وإلى إدراكِ حدودِ القوةِ قبل أنَ تكسر، وإلى تطهيرِ الكسبِ قبلَ أنْ يتحولَ إلى حجةٍ على صاحبهِ فالعاقلُ منْ اتعظَ قبلَ أنْ يكشفَ ستره، ومنْ نظرٍ إلى ما وراءَ الدنيا بعينِ البصيرة، لا بعينِ الغرور.
 لقدْ خلقَ الإنسانَ ضعيفا، وهذا الضعفُ ليسَ نقصا، بلْ تذكيرٌ دائمٌ بحاجتهِ إلى ربه، كما في قولهِ تعالى: (وخلقَ الإنسانُ ضعيفا. . . ) النساء: 28، وهوَ ليسَ عيبا مطلقا، بلْ هوَ سرُ الحكمةِ في تكوينه؛ إذْ يذكرهُ على الدوامِ بحاجتهِ إلى خالقه، فعندما يستحضرَ الآية الكريمةَ في قولهِ تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إنَ نسينا أوْ أخطأنا. . . ) البقرة: 286. أقرَ بصدقِ عبوديته، وأنَ النجاةَ لا تكونُ إلا برحمةِ اللهِ التي تتجاوزُ عنْ تقصيره. 
منْ هنا؛ فإنَ إدراكَ الإنسانِ لضعفهِ، لا يقودهُ إلى اليأس، بلْ يدفعهُ إلى التوكلِ على اللهِ، وطلبَ العونُ منه، فتمنحهُ هذهِ الصلةِ قوةً روحيةً وثباتا في مواجهةِ الشدائد، ومعَ هذا الوعيِ تزولُ مظاهرَ الغرور، ويزدادَ التواضعُ والإخلاصُ في الدعاءِ والتوبة، إدراكا أنَ كلَ ما لديهِ فضلَ منْ اللهِ وتوفيقه. 
وهكذا يتحولُ الضعفُ إلى مصدرِ قوةٍ داخليةٍ تقربَ الإنسانُ منْ ربهِ وتمنحهُ سكينة، لا تمنحها أيُ قوةٍ مادية. وفي ختامِ الرحلة، يصبح هذا الإدراكِ نورا يهديهُ في دروبِ الحياة، فيواجهُ المحنَ بثبات، ويعيشَ بقلبٍ مطمئن، يرجو رحمهُ اللهُ ، ويسعى للإصلاح، مستندا إلى يقينٍ راسخٍ في قولهِ تعالى: (ومنْ يتوكلُ على اللهِ فهوَ حسبه. . . ) الطلاق: 3.

نعم
هل اعجبك المقال