البحث المتقدم

البحث المتقدم

جرائم وانتهاكات نظام حزب البعث في العراق "ضابط أمن المنطقة"

4 تقييم المقال

 

جرائم وانتهاكات نظام حزب البعث في العراق

"ضابط أمن المنطقة"

 

د. رائد عبيس

 

 

ما كان يقلق العراقيين جميعاً ويخيفهم هو ذلك العنصر المسمى في أدبيات البعث الأمنية بـ (ضابط أمن المنطقة)، ماذا كان يفعل رجل الأمن هذا ؟ هل كان يحافظ على أمن المنطقة فعلاً ؟ هل كان يمارس فعله المهني على وفق قوانين وتعليمات حفظ القوانين، وحماية حقوق الإنسان وصون المسؤولية القانونية الملقاة على عاتقه ؟ من الذي يعينه في هذه المهمة ؟ وما هو دوره فعلا؟

هذه أسئلة جوهرية في البحث عن وثائقيات عيانية ورسمية تؤكد فعلاً طبيعة المهمة التي يقوم بها (ضابط أمن المنطقة) !

وإذا سألنا أي من عاصر مرحلة حكم نظام البعث في العراق ، وقلنا له ما الذي تذكره عن دور ضابط أمن المنطقة ؟ سيكون الجواب متشابهاً إلى حدٍ كبير عن هذا الدور. فالصورة النمطية عن المخيال الجمعي عن هذا العنصر توحي بذلك الخوف والقلق الذي يرافق ذكر اسمه أو رؤيته أو التذكير بمهمته.

ولعل هذه التجربة الأليمة من المظالم التي تلحق بالناس جراء الممارسات الأمنية المخيفة التي تصدر عن ضباط أمن المناطق ، لم يقدر خطورتها سوى من عايشها ومر بتجربتها ، ولعل عامة العراقيين طالتهم هذه المظالم بشكل مباشر أو غير مباشر جراء تلك المهمة المناطة به.

فكان كل واحد منهم يمثل صدام حسين فعلياً في التصور الشعبي نتيجة ما يتمظهر به من زي وقيافة عسكرية وتدريب والحركة وطريقة كلام مثل استعمال عبارة "عجل يابه" التي صارت متلازمة عند رجال صدام ، او كلمة "عفية" أو أي من ذلك التقمص الذي يعطي رسائل مخيفة للناس.

أتذكر انا كاتب المقال ، مشاهدات مما ذكرت ، كان رجل أمن المنطقة الذي يعرف بـ "ضابط أمن المنطقة" عندما يتحرك في الشوارع مشيا على الأقدام كعملية استطلاع منه ، او يدخل السوق ، أو يتجول في سيارته ، أو يحتشد مع عناصره الأمنية ويجوب المنطقة ، يصاب الناس بحالة من الذعر الرهيب ، فأرى الناس تنكفئ على أنفسها ، تغادر المقاهي ، وتنسحب من السوق ، وتتوقف عن المسير إن كانت في حالة سير، أو الاختباء في أماكن مثل : المحال ، والبيوت ، والسيارات.

هذا الأمر عندما يكون في النهار ، أما في الليل فتسود المدينة حالة من الهدوء الاستثنائية وكأنها مهجورة، بحيث من كان يخاف أو يتحسب من أمر ما ، لم يتمكن من المبيت بين أهله فيغادر البيت ويبيت في مخابئ ، مثل : المزارع ، والبساتين ، أو الاختباء في مكان عام.

أما في اليوم التالي ، فلم يسلم أي من سكان المنطقة ، ممن كانت قد كُتبت بحقه التقارير جراء الجولة الاستطلاعية التي يجريها "ضابط أمن المنطقة" ، بمفرده ، أو مع عناصره ، أو جراء نشاط الوشاة ، والمخبرين المتطوعين تملقاً للحزب وعناصره ولضابط الأمن في المنطقة.

في العادة تكتب هذه التقارير وترفع الى الجهات الأمنية والحزبية العليا ، ليصدر بها موقف جديد بخصوص مواطنين مطلوبين ، أو مشكوك بهم ، أو مكذوب عليهم. وتعرف النتائج فيما بعد حين تحدث حالات اعتقال ، أو حكم ، أو تغييب ، أو إعدام أحد من سكان المنطقة، وفي الغالب التقارير التي يرفعها هذا الضابط تشكل مصداقاً تاماً لدى الجهات العليا تؤخذ بنظر الاعتبار ولا يمكن التراجع عنها وتؤخذ كحقائق بغض النظر عن مصداقيتها.

وراحت جراء ذلك الأرواح والممتلكات حتى الوطن . فحين يكتب ضابط أمن المنطقة تقريراً يفيد بأن هذه العائلة لديها نشاط سياسي معادي، أو انهم تبعية، أو انهم متخاذلون عن نصرة الحزب، أو الالتحاق بالجيش، أو عدم المشاركة في نشاطات الحزب ومناسباته فيكون مؤشراً إلى اتخاذ إجراءات أمنية عاجلة أو مؤجلة ضد من يُذكر اسمه في تقارير هذا الضابط ، كثير من العوائل هُجِّرت من البلد لأن ضابط أمن المنطقة كتب عنها على انها تبعية ، فيتم حينها أخذ الأوراق الثبوتية الشخصية للمواطنين المذكور أسمائهم والمطلوب وتمزق ، ليصعب عليهم الإثبات فيما بعد على صحة ادعائهم.

أما سلوك الناس تجاه ضابط الأمن هذا ، ممن يخافون شره ، هو شراء مواقفه ، مثل : اعطائه الرشوة ، يعزموه في المطاعم والبيوت ، ويقيمون له جلسات خاصة للترفيه وتغيير الأجواء. أو يخدمون عائلته، أو يزوجوه ان كان غير متزوج سراً أو علناً.

فيما تقدم جاء إجابة على الأسئلة المتقدمة عن طبيعة ومهمة "ضابط أمن المنطقة" الذي لم يراع فيها أي من قواعد حقوق الإنسان على وفق السياسة البعثية التي لا يوجد في حساباتها هذا النوع من الاعتبار القانوني.

 

نعم
هل اعجبك المقال