جرائم وانتهاكات حزب البعث في العراق
الجامعات ليست حرماً آمنا
د. رائد عبيس
امتدت جرائم النظام البعثي منذ تأسيسه وحتى سقوطه في عام 2003 إلى كل مؤسسات الدولة العراقية، والقطاعات الخاصة ، ونمط الحياة الاجتماعية العامة في المجتمع العراقي . لم يكن هناك قطاعاً آمنا من التدخل والمراقبة وسياسة التبعيث ، حدثت قصص كثيرة من قصص الإجرام البعثي في مؤسسات الدولة وانتهاكات خطيرة تسببت في حرمان موظفيها من أبسط حقوقهم ، فضلاً عن أمنهم الوظيفي حيث الوشاية التي كانت سائدة ، وكتابة التقارير الأمنية من قبل الموظفين ضد أحدهم الآخر. فضلاً عن عدم الحرية في العمل المهني، والوظيفي داخل هذه القطاعات التي صارت مراكز أمنية وحزبية للبعث، حيث كانت سياسته هي (التبعيث) لكل مفاصل وجزئيات العمل المهني في العراق، فكان صدام حسين يصدر التعليمات، والوصايا والأقوال الملزمة لهذه القطاعات ، والعمل بالوصايا التي كان يقدمها عبر الاعلام أو اثناء الاجتماعات، فكان المسؤول البعثي في هذه المؤسسات يمارس سلوكاً مهنياً مغايراً لكل أخلاقيات المهنة، والعمل ، والوظيفة المحمية بقانون، وظيفي، وخدمي، يؤمن سلامة العمل، والخدمة المقدمة من هذه المؤسسات ومهنية العاملين فيها إلا أن البعثية صارت معياراً ومقياساً لكل ميزة وظيفية ، ووساماً للتفوق ، وطريقاً للوصولية، والانتهازية، حيث يتم اقصاء الموظف الجيد ويفضل صعود البعثيين الى هرم هذه المؤسسات.
فكانت النتيجة في هذه القطاعات تردي في الإنتاج ، وقلة في الخبرة ، وضعف في القدرات المهنية ، وانعدام الرغبة في العطاء من قبل الموظفين ، وبعدها تحقق انهيار هذه المؤسسات والقطاعات وتعطلت وانعدمت جدواها، كحال كثير من المصانع، والمعامل، والمنشئات الحكومية وانهيار سمعتها إلى الأبد.
الجامعات العراقية الحكومية طالتها كل جرائم وانتهاكات حزب البعث، واهمال لهذا القطاع الحيوي في العراق بشدة ، فقطاع التعليم أهمل إهمال كبير في زمن حزب البعث، لا من حيث البنى التحتية فحسب ، بل من الظروف العامة التي طالت البلد ، وتسبب بشكل غير مباشر في انهيار القيمة الوظيفية والثقافية للتعليم في العراق في عهد حكم نظام البعث.
فكيف تحولت الجامعات العراقية إلى حرماً غير آمناً في عهد حكم نظام البعث؟
هذا الملف من الجرائم والانتهاكات يمتد لعقود من حكم نظام البعث، وينطوي على جزئيات كثيرة لا يمكن الإحاطة بها إبتداءًا الا بالحصول على وثائق ، وشهادات، وروايات الضحايا عن ما كان يحصل في أروقة الجامعات من جرائم بعثية، صحيح عايشنا مرحلة حكم البعث في الحياة الجامعية، الا أن ما كان يخفى أكثر بكثير مما نشاهد ونسمع.
فكانت واحدة من هذه الإنتهاكات هي تحويل الجامعة إلى مراكز حزبية ، حيث كانت في كل كلية فرقة حزبية واعضائها من الطلبة والأساتذة، وكانت الجامعة والكلية مركز تدريب، وتأهيل عسكري ، ورقابة أمنية، حيث كانوا يجبرون الطلبة على المبيت في الجامعات عندما يكون ما يعرف بالإنذار العسكري. وكانت قاعات الدرس عبارة عن محاضرات أيديولوجية تثقف عن نظام البعث، والإلزام بالانضمام إلى الحزب، وتأدية ما يترتب على هذا الالزام من دفع اشتراكات حزبية، وحراسات أمنية، وواجبات في المناسبات الأمنية، والحزبية. فكانت الجامعة مكان لتعقب أبناء المطلوبين في الجامعة. كان اتحاد الطلبة، هو الوسيط الفعلي في التحزيب، والتحشيد العسكري، والتطوع على صنوف الأجهزة الأمنية من فدائيين صدام وغيرهم، وكانت الجامعة أيضا فضاءاً غير أمناً للنقاش الثقافي، والديني، والسياسي في غير ثقافة حزب البعث ، فراحت جرآء ذلك طلبة وطالبات كثر اتهموا في ولاءاتهم الحزبية، والسياسية، والمعارضة والانتماء لأحزاب محظورة من قبل نظام البعث ، مثل : حزب الدعوة، والحزب الشيوعي، وغيرها من المواقف التي تتطلب رأياً دينياً أو تأريخيا أو غيرها.
كانت الجامعة المكان الذي يتصيدون به أعضاء البعث الفتيات الجميلات أما بإغرائهن بامتيازات وهمية، أو حقيقية، أو استدراجهن ، أو ينتهي بهم الأمر إلى اختطافهن أما إعادتهن إلى أهلن فيما بعد ، أو يُغيبن تماماً، بحسب طبيعة الجهة التي تتبنى عملية الخطف. وحدثت حالات من ذلك كثيرة، تسببت بإنتهاك شرف كثير من البنات ، وأخذنهن عنوة إلى الملاهي والمراقص الليلية التي كان يشرف عليها عدي نجل صدام الذي عرف بولعه في هذه المفاسد.
ذكر لنا السيد صاحب الحكيم في وثائقياته في كتابه (تقرير عن اغتصاب وقتل وتعذيب واعتقال أكثر من 4000 امرأة...) قصص من هذه الجرائم التي حولت الجامعات من مكان لتلقي العلم إلى مكان خطر وغير آمن، فكان سبب لترك الجامعة والتعليم الجامعي من قبل كثير من أبناء العراق.
مثل قصة مجموعة من الطالبات الجامعيات ، وهن طالبات في كلية الطب السنة الرابعة في جامعة بغداد، فقد تم استدعائهن بتاريخ 16/4/1993 بحجة امتحانات تطبيقية، وعند قدومهن تفاجأن بإدخالهن عنوة إلى سيارات الإسعاف التي نقلن بها إلى مكان مجهول، وضاعت أخبارهن إلى اليوم على الرغم من محاولات أولياء أمورهن المراجعة والسؤال عن مصيرهم.




تقييم المقال
