البحث المتقدم

البحث المتقدم

جرائم وانتهاكات نظام حزب البعث في العراق السجون غير الرسمية

5 تقييم المقال

جرائم وانتهاكات نظام حزب البعث في العراق

السجون غير الرسمية

 

د. رائد عبيس

 

حينما اتجه النظام البعثي في العراق إلى اختيار طريقة حكمه بالحديد والنار، التجأ إلى اتباع أساليب تعد الأكثر عنفاً، والأشد قمعية في تاريخ القمع السياسي للمعارضين وغير المعارضين.

ازداد الاستبداد البعثي في مراحل تصاعد حكمه، فكان الأكثر دموية فيها؛ إذ كانت بداية تولي صدام الحكم في الحزب والعراق تعد بداية لموجة دموية ضد أعضاء حزب البعث نفسه من جانب، وضد الأحزاب السياسية من جانب آخر، وبدأ التضييق على المجتمع أمنياً وعسكرياً من جانب ثالث. والمرحلة الثانية هي بداية الحرب العراقية - الإيرانية، والمرحلة الثالثة مرحلة الانتفاضة الشعبانية التي راح ضحيتها ما يقارب ربع مليون إنسان، إلى جانب ضحايا الحرب مع إيران وحرب غزو الكويت التي بلغ ضحاياها ما يقارب مليون ضحية.

تشير التقارير الدولية الأممية، مثل: منظمة العفو الدولية، واللجنة الأممية لمراقبة حقوق الإنسان في العراق، ومنظمات الصحة الدولية، وما تكشّف فيما بعد من وثائق ومقابر جماعية بعد زوال حكم البعث بعد عام 2003، إلى أن ضحايا الاستبداد البعثي والعنف والتطرف والقمع ما يقارب من مليون إنسان، لا سيما ضحايا المقابر الجماعية والسجون الرسمية وغير الرسمية التي حصلت فيها إعدامات لحد الآن لم تتكشف أسرارها بعد.

هناك إحصائيات لعدد السجون في العراق، صغيرها وكبيرها، يبلغ 500 سجن في عموم العراق من الشمال إلى الجنوب، تتقسم بعناوين مختلفة، تبعاً لتبعيتها الإدارية بين الدوائر الأمنية، والعدلية، والعمل والشؤون الاجتماعية.

أما بالنسبة للسجون غير الرسمية، فالعدد يتصاعد بالتأكيد ليشتمل على كل المقرات الحزبية، والأمنية وغير الأمنية التي أُعدت لتكون سجونا، ومعتقلات للمعتقلين، والمطلوبين، والمحتجزين قسرياً.

يكشف الشهود أن جملونات المعسكرات والمخازن والتصنيع العسكري والفنادق والدوائر الرسمية تحولت في حالات أمنية إلى معتقلات وسجون يمارسون فيها كل الأساليب السجنية من تعذيب وتحقيق ومحاكمات غير قضائية وحتى تنفيذ للإعدام، وقد ارتكب مثل هذه الجرائم والانتهاكات صدام حسين نفسه وولده عدي وقصي، فضلاً عن المقربين منه مثل علي حسين المجيد وحسين كامل وغيرهم كثير.

أما عناصر الحزب في كل فروعه ومنظماته، فكانت تتخذ من مقرات الفرق الحزبية والمنظمات والفروع أماكن للاحتجاز التعسفي وسجونا، وكاتب هذا المقال كان قد تعرض لهذا الأمر لأكثر من مرة، مثلما تعرض مئات الآلاف من العراقيين لهذا الأمر.

فعادةً في السجون غير الرسمية لا تتوفر السجلات التوثيقية للنزلاء، والمتطلبات المتعارف عليها في السجون من زنزانات ومقابلات وغيرها، بل تكون في العادة محتجزاً أمنياً مفتوح الزمن السجني فيه، ولا تُعطى أو يُكشف عن أي معلومات فيه لأي متتبع لضحايا الاعتقال من قبل أهاليهم لأنهم لا يملكون سجلات أو قوائم عنهم في العادة؛ إما لكثرة أعدادهم كما حدث في اعتقالات الانتفاضة الشعبانية، أو لعدم تدوين معلومات عنهم، أو لمحاولة إخفاء أثرهم نتيجة وجود قرار تنفيذي بحقهم كالإعدام الجماعي أو الدفن الجماعي، أو لوجود قرار بطول مدة احتجازهم حتى إشعار آخر.

استبد النظام البعثي كثيراً إلى حد الاستهتار التام بكل قيم الإنسانية والعدلية في التعامل مع الضحايا، لا سيما ضحايا الترحيل القسري الذي جرى على الكرد الفيليين، وضحايا الأنفال في كردستان، وضحايا الانتفاضة في الوسط والجنوب، وما سبقها وما لحقها من وسائل قمعية واعتقالية شملت المدنيين، وعوائلهم، والعسكريين وعوائلهم على حد سواء، بما فيها عوائل الوزراء، والوزراء، والمسؤولين، والضباط، والحرس الخاص، وكل من يزعج رأس هرم النظام.

يمكن أن نذكر أهمها:

  1. قصر النهاية.
  2. الشعبة الخامسة.
  3. الرضوانية.
  4. مقرات الدوائر الاستخبارية والأمنية والحرس الخاص.
  5. القصور الرئاسية.
  6. الشعب والمقرات الحزبية.
  7. الجملونات والمخازن العسكرية والمدنية وحتى الفنادق والدوائر الرسمية.
  8. البيوت المنازل والشقق التي يُحتجز بها الأفراد وقد يُغيّبون فيها إلى الأبد.

كل هذه السجون كانت بعيدة عن رقابة المنظمات الحقوقية الدولية، في مراقبة سجون البعث، وتقييم حجم الأضرار، والانتهاكات التي كانت ترتكب فيها.

كما أن ميزة هذه السجون غير الرسمية أن من كان يدخل فيها نتيجة الاعتقالات الخاصة أو العامة العشوائية كانت تضيع أخبار غالبيتهم إلى الأبد، فيذهبون بهم إلى مواقع الدفن المسماة بالمقابر الجماعية، وإلى قتلهم وإلقائهم في الأنهار أو رميهم للحيوانات المفترسة، أو يذهبون بهم إلى أحواض "التيزاب" وغيرها من الأساليب التي اتبعها النظام البعثي في إخفاء جرائمه والتي استمرت طيلة عقود خلت، فما زالت تكتشف آثار جرائمه إلى اليوم بعد كل تلك العقود من حكمه وزواله.

 

نعم
هل اعجبك المقال