جرائم وانتهاكات نظام البعث في العراق
بحق الأطفال في السجون
د. رائد عبيس
ما يهز الضمير البشري هو تلك الوحشية المفرطة التي يتعامل بها نظام سياسي ورئيسه مع الأطفال، بسلوك سياسة الإبادة والإفناء الحقيقي لكل عائلة تدخل في دائرة اتهامه واعتقاله وسجونه وتعذيبه؛ فالتعذيب لا يقع على فرد من العائلة فحسب، بل يشمل كل أفرادها وأبرزهم الأطفال.
كيف تعامل النظام البعثي مع الأطفال؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تكون مرعبة تماماً حين نطلع على وثائق تكشف أن رئيس دولة يضع عقله موضع عقل طفل، ومستقبل طفل، وبراءة طفل، وانتماء طفل لمكون أو لعائلة كان لها موقفٌ سلبيٌّ منه، ويعدّه يشكل خطراً وجودياً على القومية والبعث وسياسته!
تكشف الوثائق البعثية التي اطلعنا عليها — سواء كانت تسجيلات فيديو أو مستندات أو لقاءات أو شهادات أو اجتماعات أو تقارير وغيرها — أن النظام البعثي كان من أشد الأنظمة وحشية مع الأطفال، وأكثرها عدوانية مع أطفال الخصوم، مع انعدام تام لكل القيم الإنسانية. فلم يكن يتعامل مع الأطفال في سجونه وفق لوائح وسلوكيات خاصة برعايتهم وحمايتهم من البطش والعنف والتعنيف والاستغلال بكافة أشكاله، بما فيه الاستغلال الجنسي. ولم يُستثنَ الأطفال حتى من أحكام الإعدام التي صدرت بحق أهاليهم داخل السجون النظامية، أما خارجها فكان مصيرهم ضمن سلسلة من الممارسات الوحشية البليغة بقسوتها اللاآدمية.
ونذكر هنا أمثلة مختصرة تُبرز ما كان يجري داخل السجون عند التعامل مع الأطفال:
- الإذابة بالمواد الكيميائية (التيزاب): كما حدث لأطفال عائلة آل طعمة من كربلاء.
- القتل رمياً بالرصاص: والتخلص منهم بعد إعدام أهاليهم.
- تسميم الأطفال الرضع: نتيجة صدور أحكام الإعدام بحق أمهاتهم.
- القتل بالظروف الجوية: وضع الأطفال في ساحة السجن تحت الحر والبرد الشديدين حتى الموت.
- العنف المباشر: ضرب طفل رضيع بجدار السجن حتى تناثرت جمجمته على وجه أمه.
- الاعتداء الجنسي: اغتصاب الأطفال (بنات وأولاد) أمام أمهاتهم وآبائهم.
- منع الرعاية: منع العلاج والحليب عنهم حتى يموتوا جوعاً ومرضاً، والإهمال المتعمد للأطفال الذين يُتركون عند السجينات بعد إعدام أمهاتهم حتى الموت.
- الإتجار بالأطفال: بيع الأطفال الرضع لمن لا يملك أطفالاً، كجزء من متاجرة عناصر البعث الإجرامية بحق الأطفال داخل السجون.
- الفصل القسري: فصل الأبناء عن آبائهم داخل السجون لقطع أخبارهم نهائياً، كما حدث لعوائل المرحلين.
- الاحتجاز طويل الأمد: إذا نجا بعض الأطفال من هذا التعسف بقدرة الله ورعايته، فهم يبقون في السجون ويكبرون داخل المعتقل حتى يُفرج عنهم.
- الإعدامات والمقابر الجماعية: إعدام الكثير جداً من الأطفال مع أهاليهم في تنفيذ إعدامات جماعية ودفنهم في مقابر جماعية.
- التغييب القسري: تغييب أعداد كبيرة من الأطفال إلى يومنا هذا دون معرفة مصيرهم.
- الرمي للحيوانات المفترسة: وفاة كثير من الأطفال في السجون ، وإلقاء جثثهم للحيوانات المفترسة أو دفنهم في ساحات السجن.
كل هذا وأكثر كان نتاج تفكير إجرامي تجاه من يحتسبهم النظام أعداءً، كما تعامل مع أهالي الدجيل، وتوصياته في الاجتماعات التي تسربت محاضرها وهو يوصي بإبادة من يريد إبادتهم تماماً.
وقد وثقت هذه الجرائم منظمة العفو الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمهتمون بتوثيق حقوق الإنسان في العراق، كما جاءت في تقارير المنظمة الدولية ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. كما ذكر لنا السيد صاحب الحكيم تفاصيل عن قصص هذا الإجرام البعثي بحق الأطفال من الشمال إلى الجنوب دون استثناء، ضرباً بأمثلة مثل: الطفلة زينب الحكيم، وأطفال عائلة أم محمد رضا، وعوائل كاملة أُبيدت بالكامل مع أطفالها.
إن البحث في هذا الملف من الانتهاكات البعثية بحق الأطفال في السجون يثير وجعاً وطنياً كبيراً وذاكرة مؤلمة؛ فما زال الكثير من الناجين من بطش البعث يتذكرون هذه الأحداث المؤلمة دون أي جبر للضرر أو تلقيهم معالجة نفسية لهذه الذاكرة المثقلة بهدر ذكريات الطفولة.
وكل ما ذكرناه من أمثلة لجرائم بحق الأطفال في السجون هي جرائم حقيقية وموثقة، إلا أن المقال لا يتسع لذكر كل الوثائق والمستندات الخاصة بها، على أمل أن نغطيها بشمول في بحث مستقل.




تقييم المقال
