يقع نهر الهنيدية في مركز مدينة كربلاء، ويُعد أحد التفرعات المرتبطة بـنهر الفرات، وقد شكّل لعقود طويلة شريانًا مائيًا يغذي البساتين والمناطق السكنية المحيطة، كما ارتبط بالذاكرة الاجتماعية لأهالي المدينة بوصفه متنفسًا طبيعيًا وموردًا للحياة.
كانت ضفافه تعج بالحركة اليومية، وتطل عليه منازل اعتادت استقبال نسيمه العليل، فيما كان جريانه المنتظم يمنح المكان حيوية خاصة انعكست على نمط عيش السكان، غير أن موجات الجفاف التي ضربت العراق في السنوات الأخيرة تسببت في انخفاض ملحوظ بمنسوب المياه، فتحول المجرى إلى مياه راكدة تراكمت فيها الرواسب والمخلفات، ومع هذا التراجع البيئي، ظهرت مشكلات صحية وخدمية تمثلت في انتشار الروائح الكريهة وتكاثر الحشرات والزواحف، الأمر الذي أثّر بشكل مباشر على حياة الأهالي، لا سيما الأطفال الذين سُجلت بينهم حالات أمراض جلدية نتيجة الاحتكاك بالمياه الملوثة، وهكذا تبدلت صورة النهر من عنصر جمالي وحيوي إلى مصدر قلق يومي للسكان.
أمام تفاقم الأزمة، برزت مطالبات شعبية بإيجاد حلول جذرية، تراوحت بين الدعوة إلى طمر النهر وتحويله إلى طريق معبّد، وبين مقترحات تغليفه كمجرى مخفي لتفادي الانبعاثات والتلوث، إلا أن هذه الطروحات قوبلت برؤية أخرى شددت على ضرورة الحفاظ على النهر باعتباره معلمًا تاريخيًا وجزءًا من هوية المدينة وذاكرتها الجمعية.
في هذا السياق، أعلنت العتبة العباسية المقدسة تبنيها مشروعًا متكاملًا لإعادة تأهيل نهر الهنيدية، مؤكدة رفضها خيار الطمر أو الإلغاء، ومشددة على أهمية استعادة دوره البيئي والحضري، فانطلقت أعمال التنظيف بإزالة كميات كبيرة من الرواسب والمخلفات التي تراكمت عبر سنوات، تلتها عملية تطوير شاملة شملت إنشاء شبكة ري حديثة، وتشجير جانبي النهر، وتحسين الأرصفة وأسيجة الجسور، إضافة إلى إنشاء جسور جديدة أكثر أمانًا للمشاة والمركبات>
نُفذت أعمال التأهيل على مرحلتين، تضمنت الأولى تنظيف المجرى وتنظيمه وتشجيره بمدة زمنية محددة، فيما ركزت المرحلة الثانية على استكمال عناصر التجميل الحضري من إنارة وتحسين للمشهد العام، مع تخصيص فرق دائمة للصيانة والمتابعة لضمان استدامة النتائج.
اليوم، يقف نهر الهنيدية مثالًا على إمكانية تحويل الأزمات البيئية إلى فرص لإعادة الإحياء والتطوير، ففي قلب كربلاء، استعادت الضفاف شيئًا من بريقها، وعاد النهر ليؤدي دوره كمتنفس حضري يحافظ على إرث المكان ويواكب احتياجات الحاضر، في معادلة تجمع بين صون الذاكرة وتحقيق التنمية المستدامة.






