البحث المتقدم

البحث المتقدم

٠٨ ذو القعدة ١٤٤٧

تقرير وثائقي.. المسيرة التكوينية للحشد الشعبي

 

 

 

#مؤسسة_الوافي_توثق

المسيرة التكاملية للحشد الشعبي

 

تمهيد: لحظة الانبعاث

لم يكن تشكيل الحشد الشعبي مجرد إجراء إداري، بل كان انفجاراً بشرياً أطلقته "الفتوى المباركة" التي أعادت التوازن للروح الوطنية العراقية وهذا التدفق الجماهيري العفوي، الذي تجاوز حدود المناطق والأعمار، وضع الدولة أمام استحقاق تاريخي: كيف يمكن تحويل هذه الأمواج البشرية الهائلة إلى قوة عسكرية منظمة قادرة على كسر شوكة تنظيم "داعش" الإرهابي؟ من هنا بدأت رحلة "الحشد" التي مرت بمخاضات تشريعية وميدانية وتدريبية معقدة.

 

أولاً: الجدل التشريعي وصياغة الهوية القانوينة

شغل توصيف الحشد حيزاً واسعاً في أروقة صنع القرار، حيث تذبذب المشرع العراقي بين معيارين:

المعيار العضوي: كما ظهر في مشروع قانون الحرس الوطني (2015)، الذي ركز على صفة "الأفراد" كمتطوعين أو متعاقدين لمساندة القوات المسلحة.

المعيار الوظيفي: الذي برز في مشروع قانون الحماية القانونية لعام (2015)، واصفاً الحشد بكونه "قوة رديفة وساندة" للقطعات الأمنية.

إلا أن النضج التشريعي استقر في قانون عام (2016)، الذي منح الحشد "شخصية معنوية" وجعله جزءاً لا يتجزأ من القوات المسلحة العراقية، مرتبطاً مباشرة بالقائد العام، وهو تحول ركز على مؤسساتية الهيئة لا مجرد أفرادها.

 

ثانياً: التعبئة الشعبية.. الهبة العارمة

في اللحظات الأولى لصدور الفتوى، تحول العراق إلى خلية نحل كبرى فقد غصت الحسينيات والجوامع والساحات بالحشود، وامتزجت الأهازيج الوطنية بصوت الخطباء الداعين للثبات وكانت السمة الغالبة هي "العفوية المطلقة"؛ إذ سارع المتطوعون لمراكز التسجيل دون انتظار تجهيزات أو رواتب، بل بصدور عارية وحماس منقطع النظير، مستندين إلى دعم اجتماعي وعشائري ممتد حتى يوم النصر.

 

 

ثالثاً: القيادة الميدانية.. نموذج "آمرلي" أنموذجاً

لم تترك هذه الجماهير دون بوصلة؛ فقد برزت قيادات ميدانية من وكلاء المرجعية وعسكريين سابقين نجحوا في تأطير الزخم الشعبي، ويبرز اسم المجاهد (شاكر ولي حسن) كنموذج واقعي للقيادة، حيث نجح في "آمرلي" بجمع الشتات العسكري المنسحب وتوحيد أهالي المدينة في "وثيقة شرف" دفاعية فمن ملعب كرة قدم بسيط، انطلقت نواة فوج "آمرلي" الذي اتصل مباشرة بمكتب رئيس الوزراء، ليرسم خارطة صمود أسطورية كسرت الحصار وحولت المدنيين إلى سد منيع أمام التكفير.

 

رابعاً: الإعداد والتدريب.. التحدي الاستثنائي

في ظل حالة الطوارئ، غابت السياقات التقليدية للتدريب فتحولت ساحات المدارس وملاعب الأحياء إلى معسكرات بديلة، وكان المتطوعون يأتون بملابسهم المدنية وأسلحتهم الشخصية، بل إن بعضهم التحق بالجبهات دون تدريب مسبق. ومع تدخل الدولة عبر الأمر الديواني (47) لسنة 2014، بدأت مرحلة التنظيم؛ حيث استقبلت مراكز التدريب آلاف المتطوعين يومياً لتدريبات مكثفة مدتها 20 يوماً، مدعومة بمساهمات وطنية من شركات الدولة التي جهزت المقاتلين بالمعدات الأساسية مجاناً تلبية لنداء الواجب.

 

خامساً: الاختبار الميداني.. من الصدمة إلى الاقتدار

كانت المعارك الأولى في "آمرلي" و"جرف الصخر" هي المحك الحقيقي فرغم نقص الإمكانيات في البداية، استطاع الحشد تطوير تكتيكاته وزيادة التنسيق مع الجيش والشرطة الاتحادية، وبحلول عام 2016 انخفضت نسبة الخسائر البشرية بمعدل 50% بفضل الدورات المتقدمة لآمري السرايا، وتحولت رحلة الدفاع من مجرد صد للهجمات إلى هجوم معاكس طهر الأراضي العراقية، بدءاً من كسر حصار آمرلي وصولاً إلى تحرير المدن المغتصبة كافة.

 

سادساً: الهيئة ككيان دولتي مستقل

انتهت رحلة التأسيس بتكريس "هيئة الحشد الشعبي" كقوة نظامية حيث بدأ الأمر بـ "لجنة" تابعة لمجلس الوزراء، ثم تطور إلى "أمر ديواني (91)"، وصولاً إلى "قانون الحشد" الذي أقره البرلمان في تشرين الثاني 2016 بعد مخاض سياسي عسير وهذا القانون لم يكن مجرد نص تنظيمي، بل كان "وثيقة وفاء" تضمن حقوق المضحين وتضعهم تحت طائلة القوانين العسكرية النافذة، محولةً الاندفاع العفوي إلى مؤسسة عسكرية وطنية رصينة تحمي الأرض والمقدسات.

برز دور مؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات في حفظ هذه الحقبة التاريخية من خلال تبني منهجية بحثية دقيقة ابتعدت عن المبالغات العاطفية لتركز على الواقعية والمنطق في رصد مراحل التأسيس، وقد عملت المؤسسة على هيكلة هذه البيانات لضمان بقاء تضحيات المتطوعين وبطولات القادة الميدانيين كحقائق ثابتة في الذاكرة الوطنية، مساهمةً بذلك في تقديم رؤية علمية متكاملة توضح كيف تحولت الفتوى الدينية إلى مؤسسة عسكرية نظامية فاعلة، مما جعل من عمل "الوافي" مرجعاً توثيقياً يؤصل لمرحلة الدفاع الكفائي بمهنية تامة تحفظ الحقوق وتبرز الهوية المؤسساتية لهذا الكيان ضمن خارطة المنظومة الأمنية العراقية.

 

المصدر التوثيقي| موسوعة فتوى الدفاع الكفائي| الجزء 10 صفحة 47

مواضيع ذات صلة