نهر بين الذاكرة والأزمة… كيف استعاد الهنيدية نبضه في قلب كربلاء؟
#مؤسسة_الوافي_توثق
الاستجابة الشعبية والمنطلقات الأولى
لم تكن انطلاقة "لواء أنصار المرجعية" مجرد رد فعل عسكري عابر، بل كانت تجسيداً لوعي مجتمعي تجذر في مدينة الرميثة ونواحيها (الهلال، النجمي، الوركاء، المجد)، فمع صدور فتوى الدفاع الكفائي في يونيو 2014، تحولت التظاهرات العفوية إلى تنظيم دفاعي مهيكل قاده السيد حميد الياسري وتميزت هذه المرحلة بالاعتماد الكلي على الذات، حيث اشترط الانضمام أن يجلب المقاتل سلاحه الخاص وعتاده ومؤونته، في إشارة واضحة إلى نكران الذات والاندفاع الطوعي نحو حماية الأرض والمقدسات دون انتظار دعم حكومي آنذاك.
هنا تسابق الشيوخ قبل الشباب لنيل هذا الشرف العظيم، وتم تسجيل الأسماء فبلغت الآلاف في عصر ذلك اليوم فقط، وكان أولهم أبناء أنصار المرجعية أصحاب التاريخ المشرف والحافل بالكفاح والقتال، وأخذ الأنصار يتناقلون خبر الدعوة التي قدمها السيد الياسري لمرافقته، فكل من سمع الدعوة لباها لمكانة هذا الرجل في نفوس الناس، وكذلك بوصفه الخط الأقرب والمستقيم للمرجعية الدينية، ومن يأمنه الناس على أنفسهم وأموالهم، فلا يخافون المحذور عند اتباعه.
الإعلان الرسمي عن تشكيل اللواء
كان الموالون لأهل البيت عليهم السلام والمنضوون تحت قيادة السيد حميد الياسري يطلقون على أنفسهم تسمية أنصار المرجعية قبل تشكيل اللواء منذ سنوات عدة؛ لأنهم ناصروا وحاموا المرجعية ونفذوا توجيهاتها الحكيمة، فأصبح من البديهي بعد صدور الفتوى أن يعلن عن هذا الاسم بصورة علنية.
من أين تشكل اللواء؟
تشكل اللواء من أبناء مدينة (الرميثة) وأبناء العشائر المحيطة بها، وأهم العشائر التي تشكل منها اللواء في بداية الأمر هم بنو هاشم وعشائر بني حجيم، وبني عارض، والخزاعل، وبني زريج، والجبور، وبني سلامة الذين كانوا يسكنون قضاء الرميثة نواحي الهلال، والمجد، والنجمي، وقضاء الوركاء، والكرامة، والسماوة.
ثم اتسع بعد ذلك ليشمل عشائر محافظة المثنى كافة إضافة إلى المدن والعشائر الأخر من خارج المحافظة ولاسيما قضاء الحمزة، وبغداد، والنجف، وكربلاء، والناصرية، والحلة، وغيرها كثير، فكانت الاعداد بتزايد يوميا وتنوع العشائر تباعا لذلك، فانخرط في اللواء المثقف والأميّ، الموظف والكاسب، والصغير والكبير، ابن المدينة وابن الريف، الغني والفقير، والفقراء كانوا هم ميزة اللواء وعطره الفواح، فكما نرى المهندس نرى المعلم ونرى الشرطي ونرى راعي الأغنام والفلاح والتاجر، السليم والسقيم، فكانوا بحق خليطاً متجانساً يمثل فسيفساء المجتمع العراقي الذي يحب وطنه ودينه ويضحي من أجلهما.
عشائر اللواء
امتاز لواء أنصار المرجعية بالتركيبة العشائرية التي ميزته عن غيره من الألوية، إذ كان تقسيم السرايا على أساس العشائر، إذ كل عشيرة تستقل بتشكيل سرية بعينها، وهذه الميزة أثرت تأثيراً كبيراً في حجم الانتصارات الكبيرة التي حققها اللواء والتلاحم الكبير بين مقاتليه، فكانت تبدأ المعارك بالأهازيج ونخوات العشائر وتنتهي بها.
ومن نتاجات الصبغة العشائرية للواء عدم سقوط أي شبر من الأرض التي كانت تحت سيطرته بيد داعش؛ لأن ذلك يعد عيباً في الأعراف العشائرية إذا ما العشيرة الفلانية أخذ أرضَها العدو، فكانت العشائرية تمثل لحمة متراصة يصعب جدا اختراقها، ومن محاسنها أيضا عدم تركهم شهيداً أو جريحاً بيد العدو او على الأرض الحرام أبدا، فكان يستشهد الاثنان لإخراج الثالث خوفا من وقوعه بيد داعش.
وبطبيعة الحال فإن اللواء قد تشكّل في محافظة المثنى بأغلبية عظمى من عشائر المحافظة، يضاف إليها من التحق بهم من المحافظات الأخر، فكانت عشائر بني حجيم لها الصدارة في هذا التشكيل تليها باقي العشائر، واحتوى اللواء ما يقارب (١٦٠) عشيرة، توزعت على كلِّ سرايا اللواء منها كانت يمثلها مئات المقاتلين ومنها يمثلها العشرات، فكانت تتفاوت في الأعداد ولم يؤثر هذا التفاوت والتنوع في شيء، بل زاد من تماسك اللواء وقوة بنائه.
وطيا قائمة بأسماء العشائر (١) التي تشكل منها اللواء نذكرها بحسب الترتيب الأبجدي وليس بحسب الأعداد القتالية؛ لتحتفظ كل عشيرة بخصوصيتها وأعدادها، وتكون شريكة في النصر والفخر والتاريخ المشرف لها ولأبنائها.


سرايا اللواء
كان عدد التشكيل الأول للواء في أيامه الأولى بمعدل (٣٥٠) مقاتلاً تقريباً، قسمت على عدد من السرايا، مثل سرية مالك الأشتر، وسرية سلمان المحمدي، وسرية ميثم التمار، وسرية المقداد، وسرية الإسناد، وتم اختيار آمر لكلِّ سرية من بين أفرادها، أما بحسب اختيارهم أو بالتطوع او من طريق الاختيار من قبل السيد آمر اللواء، وكان بعض أمراء السرايا والفصائل من ضباط مديرية شرطة المثنى ومنتسبيها الذين لبوا النداء والتحقوا مع اللواء، ووزعت كل سرية على فصائل من (٤ - ٥) ولكل فصيل آمر وهنالك مساعد لآمر السرية، وتم العمل بروح الفريق الواحد بغض النظر عن الآمر والمقاتل، فالجميع مقاتلون من دون تمييز، وارتباط الجميع بآمر اللواء مباشرة، وهنالك مسؤول للقلم، ومسؤول للمشجب، ومسؤول للإعاشة، إضافة إلى فصيل المقر، وفصيل الطبابة.
استمر هذا الأمر في الأشهر الأولى، وعند عودة ضباط الشرطة ومنتسبيهم إلى مديريتهم تسلم مقاتلو اللواء السرايا التي كانت بإمرتهم واستبسلوا في قيادة إخوانهم في خوض المعارك، ومع مرور الوقت زاد عدد المتطوعين حتى تجاوز (٣٢١٦) مقاتلاً وأخذت سرايا اللواء تتسع وتفتح سرايا جديدة حتى أصبحت بحدود (٣٨) سرية وبطريتين و(٦) فصائل منفصلة، إضافة إلى مقرات القيادة والإدارة التي وصلت إلى (23) مقر حسب القائمة الآتية.

مع استقرار الأوضاع الميدانية ودخول اللواء رسمياً ضمن هيئة الحشد الشعبي تحت الرقم (44)، خضع لتنظيم عسكري شمل الأفواج والسرايا وكتائب الإسناد. ورغم هذا التحول الرسمي، حافظت الوحدات القتالية على روحها المعنوية وارتباطها بأسمائها الأولى تخليداً للشهداء، حيث ارتفع عدد المتطوعين من 350 مقاتلاً في الأيام الأولى ليصل إلى آلاف المقاتلين الموزعين على أكثر من 38 سرية وفصائل تخصصية وطبابة وإسناد.




علم العراق هو شموخ اللواء وكرامته
لكل دولة من الدول علم خاص يجسد تاريخها وتراثها ويعبر عن إرثها وحضاراتها ومقدساتها، فهو الممثل الأول وعنوان وجود تلك الدول، والاعتراف بسيادتها، وبطبيعة الحال فإن العراق ولما يحمله من تاريخ عظيم امتد إلى آلاف السنين ومجد كبير تركه الآباء والأجداد إلى أسلافهم فقد تجسد ذلك بصورة واضحة في العلم العراقي الذي يمثل رمز العراق ووجوده، ويمثل مهابة الدولة وسيادتها.

في قراءة تاريخية لمواقف اللواء، يبرز موقف استثنائي يتمثل في رفض اتخاذ "علم خاص" بالتشكيل، رغم شيوع ذلك العرف لدى بقية الألوية. كان الإصرار على رفع "العلم العراقي" حصراً هو الرسالة الأبلغ؛ لترسيخ فكرة أن هذا التشكيل هو ملك للعراق وبإمرة المرجعية الدينية العليا، بعيداً عن أي تحزب أو فئوية. هذا الالتزام الرمزي كان يعكس عقيدة قتالية ترى في العراق المبتدأ والمنتهى، وهو ما عزز من الثقة الشعبية باللواء وقائده.
ومن أوضح الدلائل على ذلك الشعار الذي رفعه اللواء منذ بداية التشكيل وهو (النصر أو الشهادة) فلا ثالث لهما، فإما نصر مؤزر او شهادة مشرفة، وفي كلا الحالتين فإنّ المنتصر هو العراق، وكان اللواء يرفع هذا الشعار في كلِّ المحافل والمهرجانات والمناسبات ووضعه في سجلاته ومخاطباته الرسمية، فكان خارطة طريق يسير عليه ويهتدي به لنيل الشرف العظيم في الوجود والبقاء لهذا البلد وهذه الأمة العريقة فطوبى لك من بلد وطوبى لأبنائك من أبناء.
كيف تم تجهيز اللواء عسكريًا ولوجستيًا؟
بعد صدور الفتوى باشر السيد حميد الياسري بتشكيل اللواء وحدد أفراده بأنهم تشكيله أنصار المرجعية الأولى إضافة إلى المتطوعين الجدد الذين لبوا نداء فتوى المرجعية، وكان من بين أهم شروط الانتماء ان يحمل المقاتل بندقيته الخاصة وعتاده الخاص وأن يكون مستعدًا لدعم نفسه بنفسه، وعدم الاعتماد على الحكومة في أي شيء، مما أثر على عدم التحاق الكثيرين مع اللواء إذ لا يستطيعون جلب أسلحة، لعدم امتلاكهم إيّاها مما دفعهم لترك اللواء والانخراط مع الفصائل الأخرى التي شُكلت لاحقا والتي كانت مدعومة من بعض الجهات التي تمتلك الأموال، لا يحتاج المقاتل فيها إلى أن يجلب سلاحه من داره.
أما لواء أنصار المرجعية فقد جلب جميع مقاتليه أسلحتهم الخفيفة والساندة إضافة إلى استعمال عجلاتهم الخاصة، وفتح باب التبرع لدعم اللواء إذ قام بعض الموالين من أبناء المدينة بدفع الأموال وحسب استطاعتهم، فجُمع مبلغ لا بأس به لتأجير سيارات لنقل المقاتلين وشراء بعض احتياجاتهم الضرورية كالمواد الغذائية واواني الطبخ وخيم ومعاول وكل ما يحتاجون إليه في أثناء المعركة، فكان اعتماد اللواء وتمويله ذاتياً بحيث أصبح تشكيلاً متكاملاً بلحاظ العدة والعدد والإكتفاء الذاتي، إلا أن المعركة تحتاج إلى كثير من الدعم المالي واللوجستي وان العدو لديه الإمكانات الكبيرة والمدعومة دولياً، ولكن عزيمة المقاتلين أقوى من ذلك بكثير.
كان الدور الأول والأساسي لقائد اللواء السيد حميد الياسري إذ كان محل احترام وثقة أغلبية أهالي المدينة والمناطق المحيطة بها فأثر ذلك على زيادة اقبال الناس عليهم ولاسيما وإن التشكيل وقائده لا ينتميان إلى حزب معين أو كتلة معينة، وإنما ينتميان إلى العراق بأكمله، وبإمرة المرجعية الدينية العليا، فكان هذا من اهم أسباب جذب الموالين إلى اللواء.
دور مؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات في حفظ الذاكرة الوطنية
يأتي دور مؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات كحلقة وصل جوهرية في حفظ هذه الحقبة من الضياع أو التشويه، فقد عملت المؤسسة بأسلوب علمي ومنهجي على تجميع الوثائق والشهادات الشفهية والمصورات التي توثق لحظات التأسيس الأولى أمام مؤسسة الإمام المنتظر وتحويل البيانات المبعثرة (أسماء العشائر، تواريخ التحرك، الهيكلية العسكرية) إلى مادة تاريخية رصينة بعيدة عن التهويل، أضافة إلى إدراج هذه المعلومات ضمن إصدارات تخصصية لضمان بقائها مرجعاً للأجيال القادمة والباحثين في تاريخ الدفاع عن العراق، مما يجعل من عمل المؤسسة صمام أمان لذاكرة "الفتوى" ونتائجها الاجتماعية والعسكرية.







