بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
أما بعد...
فإن الحديث عن أم البنين (عليها السلام) ليس حديثاً عن امرأةٍ فقدت أبناءها فحسب، بل هو حديثٌ عن مدرسةٍ ربّت رجالاً صنعوا الخلود، وعن قلبٍ امتلأ معرفةً بالله حتى لم ير لنفسه وجوداً أمام أولياء الله. إنها المرأة التي علّمت الأجيال أن قيمة الإنسان ليست بما يملك، وإنما بما يقدّم لله تعالى.
المدخل الأول: الإيثار... الطريق إلى المقامات العالية
افتتح الله تعالى هذا المعنى بقوله المحكم في كتابه الكريم:
«وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(٩)»الحشر.
الإيثار هو أن يرى المؤمن رضا الله أعظم من رغبات نفسه، وقد عدّه أهل البيت (عليهم السلام) من أعلى مراتب الإيمان؛ فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
«الإيثار أعلى الإيمان» [2].وفي حديث آخر عنه (عليه السلام):«غاية المكارم الإيثار» [3].
وأم البنين (عليها السلام) جسدت هذه الآية والمفاهيم عملياً، فلم يكن الإيثار عندها شعاراً، بل كان حياةً كاملة.
المدخل الثاني: الصبر... مفتاح الاصطفاء
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:
«إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(١٠)»الزمر.
وقال تعالى:
«وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(١٥٥)». وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال:
«الصبر رأس الإيمان» [٤].
إن الله لا يمنح المقامات العظيمة إلا لمن امتحنهم بالصبر، ولذلك كان طريق الأنبياء والأوصياء مليئاً بالابتلاءات. وأم البنين (عليها السلام) كانت من أعظم الصابرات؛ فقد فقدت أربعة أقمار في يوم واحد، ثم بقيت تحمل رسالة الحسين (عليه السلام) حتى آخر عمرها.
المدخل الثالث: المعرفة بالله تصنع الإنسان
ليس كل من عبد الله عرف الله، وليس كل من أحب أهل البيت عرف مقامهم. قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته:«أول الدين معرفته» [٥].
وعن الإمام الصادق (عليه السلام):
«نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا» [٦].
وهنا نتساءل: كيف وصلت أم البنين إلى هذه المنزلة؟ وكيف أصبحت زوجةً لأمير المؤمنين؟ وكيف ربّت أبا الفضل العباس (عليه السلام)؟
الجواب يكمن في أنها عرفت الله أولاً، فعرفت حججه ثانياً، ومن عرف الحجة عرف كيف يتعامل معه. وفيه ثلاث محاور
[ المحور الأول: العفة والمنبت الصالح ]
إن الإنسان لا يصل إلى المقامات العالية صدفة، وإنما يبدأ الطريق من طاعة الله تبارك وتعالى حيث يقول:
«وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(٧١)» الأحزاب.
وكانت أم البنين (عليها السلام) معروفة في قومها بالشرف والطهارة، حتى إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يخترها بنفسه ابتداءً، بل طلب من أخيه عقيل ـ وكان نسّابةً خبيراً بأنساب العرب ـ أن يختار له امرأةً من بيتٍ عرف بالشجاعة والكرم والفضيلة، فقال له:
«انظر لي امرأةً قد ولدتها الفحول من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً» [٧].
فأشار عليه بعظيمة النساء: فاطمة بنت حزام الكلابية. ولم يكن المعيار الجمال، ولا المال، بل صلاح الأصل، وشرف التربية، ونقاء الأسرة. ومن هنا نتعلم أن الإسلام ينظر إلى الأسرة الصالحة قبل كل شيء.
[ المحور الثاني: الهوية والأدب الإيماني ]
هي فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب، من قبيلة بني كلاب، وهي قبيلة اشتهرت في العرب بالشجاعة والنجدة والفروسية. وقد تزوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد شهادة الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام) بناءً على المشورة المذكورة من أخيه عقيل النسابة حين قال له: «ليس في العرب أشجع آباءً من بني كلاب، فتزوج فاطمة بنت حزام الكلابية» [٨].
لماذا اختارها أمير المؤمنين؟
لم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) يبحث عن زوجة فحسب، وإنما كان ينظر بعين الإمامة إلى المستقبل؛ كان يعلم أن الإمام الحسين (عليه السلام) سيخرج إلى كربلاء، وأنه سيحتاج إلى رجال يحملون رايته، ولهذا أراد أماً عظيمة تربي أبناءها على الولاء المطلق للحسن والحسين (عليهما السلام).
ولذلك قال: «فتلد لي غلاماً فارساً»، وقد تحققت هذه الأمنية بولادة قمر بني هاشم أبي الفضل العباس (عليه السلام)، ثم إخوته عبد الله وجعفر وعثمان، الذين استشهدوا جميعاً بين يدي الإمام الحسين (عليه السلام).
الأدب العظيم مع بيت الزهراء (عليها السلام)
من أشهر ما يُذكر على المنابر أن أم البنين (عليها السلام) قالت لأهل البيت عند دخولها دارهم: «لا تنادوني فاطمة؛ فإن هذا الاسم يذكّر الحسن والحسين بأمهما فاطمة».
وهذه القصة مشهورة جداً في كتب المقاتل والسير، إلا أنه *من باب الأمانة العلمية والتنبيه المنهجي، لم نجد لها إسناداً معتبراً في المصادر الحديثية الأولى، وإنما نقلها عدد من المؤرخين وأصحاب السير بلا سند متصل. ولذلك فالمنهج العلمي يقتضي أن يقال: *"ذُكر في بعض كتب السير"، ولا تُنسب على أنها حديث ثابت عن أهل البيت (عليهم السلام)، وهذه نقطة مهمة جداً للباحث والخطيب.
لكن، وإن لم تثبت الرواية بسند حديثي، فإن سيرة أم البنين العملية تشهد بما هو أعظم من ذلك؛ فقد عاشت في بيت الزهراء (عليها السلام) محافظةً على مقامها، ولم يُنقل عنها كلمةٌ أو موقفٌ ينتقص من حق بضعة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
معرفة مقام الزهراء (عليها السلام) وعلاقتها بالحسن والحسين
إن أعظم ما يميز أم البنين (عليها السلام) أنها لم تدخل بيت أمير المؤمنين لتنافس الزهراء (عليها السلام)، وإنما دخلته وهي تعرف أنها زوجة وصي رسول الله، وأن لهذا البيت قدسيةً خاصة، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني» [٩].
ولهذا حفظت أم البنين مكانة الزهراء (عليها السلام) في نفسها، ثم غرست هذه المعرفة في نفوس أولادها.
فلم تكن تنظر إلى الحسن والحسين (عليهما السلام) على أنهما أبناء زوجها فقط، بل كانت تراهما إمامي زمانها، وسبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسيدي شباب أهل الجنة؛ وقد ثبت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» [١٠].
ومن هنا ربّت أبناءها على أن يكونوا خدّاماً للإمامين، لا مزاحمين لهما. ولهذا لم يُعرف عن العباس (عليه السلام) طوال حياته أنه تقدّم على الحسين (عليه السلام) في رأي أو موقف، بل كان يناديه في كربلاء بـ: «يا سيدي، يا أبا عبد الله»، وهو أمر ثابت في كتب المقتل المعتبرة التي نقلت مواقفه العظيمة. إن العباس (عليه السلام) لم يولد بطلاً فقط، بل ربّته أمٌ عرفت الله، فالبيت هو المدرسة الأولى والأم هي الأستاذ الأول.
[ المحور الثالث: التضحية والوفاء الخالد ]
لقد رأينا كيف بدأت هذه المرأة العظيمة طريقها بالعفة والحياء، ثم بالمعرفة بالله وأوليائه، ثم بالأدب الرفيع مع أمير المؤمنين وأبنائه (عليهم السلام)، حتى جاء الامتحان الأعظم الذي لا يثبت فيه إلا المخلصون، مصداقاً لقوله تعالى:
«إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ(١١١)».
وقوله سبحانه:
«مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ(٢٣)»الأحزاب.
إن أم البنين (عليها السلام) لم تُربِّ أبناءها ليكونوا أصحاب جاهٍ أو سلطان، وإنما ربّتهم ليكونوا أنصارًا لإمام زمانهم، ولهذا لم يتخلّف واحدٌ من أبنائها الأربعة عن نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، بل استشهدوا جميعًا بين يديه، وهذا أعظم شاهد على نجاح التربية الإيمانية.
الوفاء للإمام الحسين (عليه السلام) بعد واقعة الطف
تذكر المصادر التاريخية الإمامية أن أم البنين (عليها السلام) كانت بعد واقعة الطف تخرج إلى البقيع، وترثي الإمام الحسين وأبناءها، فيجتمع الناس لسماع مراثيها، وكان بكاؤها موجَّهًا قبل كل شيء إلى مصيبة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، حتى عُدَّت من أشهر الباكين عليه [١١]. وهذا يدل على أن همَّها الأول لم يكن مجرد فقد أبنائها، بل بقاء قضية الحسين (عليه السلام) حيّة في ضمير الأمة.
ومن أشهر الأخبار التاريخية أن بشير بن حذلم لما قدم المدينة بعد كربلاء أخذ يخبر الناس بالشهداء، فلما أخبر أم البنين باستشهاد أبنائها الأربعة تلو الآخر، كانت تقاطعه وتقول: «أخبرني عن الحسين»، حتى إذا أُخبرت باستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) قالت: «قطَّعتَ نياط قلبي».
وهذه الرواية مشهورة جداً في كتب المقاتل والتاريخ، ويُستأنس بها في بيان عظيم ولائها، إلا أنها -*تنبهاً للأمانة العلمية*- ليست من الروايات الحديثية المسندة، ولذلك تُذكر بوصفها خبراً تاريخياً منقولاً لا حديثاً شرعياً مأثوراً، وهذا هو المنهج العلمي الصارم الذي ينبغي أن يلتزم به الخطيب والباحث.
فأما أصل الشفاعة العام لأولياء الله والصالحين يوم القيامة فهو ثابت محكم بالقرآن والسنة، قال تعالى: «مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ(٢٥٥)»البقرة. ونرجو من الله الكريم أن تشمل رحمة الله وشفاعة أوليائه هذه المرأة الجليلة، لكن من دون نسبة نصوص أو خصوصيات شرعية لم تثبت علمياً.
[ الدروس المستفادة من مدرسة أم البنين ]
1. طاعة الله منطلق الشرف: الشرف الحقيقي ليس بالنسَب ولا بالمال، وإنما بالاستقامة على أمر الله عز وجل، قال تعالى: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهَ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ(٣٦)» الأحزاب.
2. الحياء مفتاح الكمال: الفضائل النفسية تبدأ من العفة والطهارة؛ فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الحياء من الإيمان» [١٢].
3. الوعي والولاء المعرفي: لم يكن ولاء أم البنين لأهل البيت (عليهم السلام) عاطفة مجردة، بل كان قائماً على معرفة بحقهم وإيمان بإمامتهم، ولذلك ربّت أبناءها على تقديم الإمام على النفس والولد.
4. الأم صانعة الأبطال: قد لا تستطيع الأم أن تغيّر العالم بيدها، لكنها تستطيع بأدوات التربية الصالحة أن تربي من يغيّر العالم، ولولا مدرسة أم البنين، لما عرف التاريخ أبا الفضل العباس بتلك الصورة المشرقة.
5. الصدق بالأفعال لا الأقوال: كم من الناس يدّعون المحبة، فإذا جاء الامتحان تراجعوا. أما أم البنين، فقد قدّمت أربعة أبناء شهداء في سبيل إمام زمانها، فكان عملها أبلغ من كل خطاب.
6. الوفاء المستدام: بعد عاشوراء لم يقل لسان حالها: انتهى دوري، بل بقيت تحمل رسالة الحسين (عليه السلام) بالبكاء الموجه والرثاء الواعي، لتبقى فاجعة كربلاء حيّة في وجدان الأمة.
[ الخاتمة ]
السلام على أم البنين يوم وُلدت، ويوم عاشت في طاعة ربها، ويوم قدّمت فلذات كبدها فداءً لولي الله، ويوم تُبعث مع محمد وآل محمد (عليهم أفضل الصلاة والسلام).
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الاقتداء بإيمانها، وعفتها، ووفائها، وإخلاصها، وأن يجعلنا من الثابتين على ولاية محمد وآل محمد، وأن يحشرنا في زمرتهم، وأن يرزقنا شفاعة محمد وآله الطاهرين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
زاهر حسين العبد الله
المصادر
[١] عبد الواحد الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، ح 3121.
[٢] المصدر نفسه، غرر الحكم ودرر الكلم، ح 6498.
[٣] الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر.
[٤] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة الأولى.
[٥] الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، كتاب الحجة، باب النوادر.
[٦] الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج 1، (في ذكر زواج أمير المؤمنين عليه السلام بأم البنين)؛ وابن شهر آشوب، منانب آل أبي طالب، ج 3.
* [٧] السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، (ترجمة أم البنين عليها السلام)؛ وانظر أيضاً: الشيخ المفيد، الإرشاد، ج 1؛ وابن شهر آشوب، المناقب، ج 3.
* [٨] الشيخ الصدوق، الأمالي، (حديث: فاطمة بضعة مني)، وورد بألفاظ متقاربة في مصادر الفريقين.
* [٩] الشيخ الصدوق، الأمالي، (حديث: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، ورواه الفريقان.
* [١٠] انظر تفصيل ذلك في: السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة؛ والشيخ محمد السماوي، إبصار العين في أنصار الحسين.
* [١١] الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر، (باب الحياء).




تقييم المقال

