د. رائد عبيس
لعل حقيقة النظام البعثي مكشوفة عند غالبية المكونات العراقية، ولكن ما هو غير مكتشف بعد، يكمن في تفاصيل هذه الحقائق التي ما زالت مغيبة؛ فعندما نعلم أنه كان ينتهك حقوق الإنسان في العراق، فهذا يعد من المسلمات، ولكن عندما نتحدث عن الكيفية، فهذا ما يتطلب البحث في الجزئيات الخاصة بكل انتهاك عن غيره، فضلاً عن الحاجة إلى وثائق تثبت هذا الانتهاك وتؤكده.
ويعد الصَّابِئَةُ المَنْدَائِيُّونَ واحداً من أهم المكونات الدينية والاجتماعية في العراق، ولهم تاريخ طويل يمتد بعمر تاريخ بلاد الرافدين، كما أن لهم من العقائد الدينية ما يتطلب الاحترام والخصوصية والرعاية حفاظاً على حقهم من بين حقوق المكونات الأخرى، وهو أمر يجب على الدولة أن ترعاه، وعلى الحكومات أن تشعرهم به. ولكننا هنا نتحدث عن حكومة البعث والبعث الصدامي التي لم ترعَ أيّاً من هذه الاعتبارات الحقوقية والإنسانية والوطنية في حفظ وحماية مكوناتها من التَّهْدِيد الُوُجُودِي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو الأمني والعسكري وغيره.
إن ما مر على الإنسان العراقي بالعموم مر على العراقيين الصابئة بالخصوص؛ إذ كان لهم نصيب من الاعتقالات، والإعدامات، والتَّهْجِير، والملاحقة، والتَّكْفِير، والتهديد، ومصادرة الأموال، والتَّجْنِيد القَسْرِي للزج بهم في الحروب والصراعات السياسية. وقد كان من ضحايا الإعدامات التعسفية النساء والرجال والأطفال على حد سواء؛ حيث ذكر السيد صاحب الحكيم في كتابه (تقرير عن إعدام واغتصاب وقتل أكثر من 4000 امرأة عراقية...) طبعة 2003، أن حزب البعث أعدم نساء صابئيات بريئات لحجج واهية وأسباب سياسية نابعة من وهم المعارضة والخوف على السلطة.
وليس هذا فحسب، بل طالهم التَّغْيِيب القَسْرِي، والاعتقالات العشوائية، والاستهدافات المباشرة، فضلاً عن حرمانهم من ممارسة شعائرهم الدينية نتيجة تَجْفِيف الأَنْهَار التي يستخدمونها في طقوسهم، والتضييق عليهم في ممارسة المِهَن التي عُرفوا بها، ناهيك عن تعرضهم لِلتَّمْيِيز العُنْصُرِي، وحرمانهم من الوظائف العامة، والِازْدِرَاء الدِّينِي الذي بدا بشكل واضح خلال ما عُرف بـ "الحملة الإيمانية" التي تبناها صدام حسين في عقد التسعينيات من القرن الماضي.
وقد وجدتُ في أسماء الشهداء والمغيبين قسرياً والمفقودين في الحرب العراقية الإيرانية والانتفاضة الشعبانية أسماءً من هذه الطائفة، مثل: بَدْرِيَّة دَخِيل عَلَّاوِي (زوجة حميد شلتاغ)، وخَالِدَة فَعِيل حَطَّاب، وشَوْقِيَّة ضَايِف لَايِذ الخُمَيْسِي، وغيرهن كثر. ذكرهن السيد صاحب الحكيم في التقرير المشار إليه أعلاه، إلى جانب وثائق وأوليات لضحايا كثر منهم كانوا قد هجروا العراق نتيجة ظلم البعث الذي طالهم بشكل خاص، إلى جانب الظروف العامة القاسية التي مر بها المجتمع العراقي آنذاك.
وعلى الرغم من أن الصابئة كانوا مكوناً محبوباً ومقبولاً اجتماعياً، ولديهم تجارب غنية ومهمة في التَّعَايُش السِّلْمِي، إلا أنهم لم يسلموا من سياسة وثقافة التَّمْيِيز العُنْصُرِي التي مارسها البعث وعناصره الإجرامية، والتي كانت سبباً مباشراً في تَنَاقُص أَعْدَادِهِمْ في العراق بشكل ملحوظ قبيل عام 2003.




تقييم المقال

