جرائم وانتهاكات نظام حزب البعث في العراق
"حدائق البيوت "
د. رائد عبيس
قد ألف العراقيون في عهد نظام حزب البعث قصصاً فردية وجماعية من الانتهاكات، اتسمت بالوحشية المفرطة والعدائية المطلقة ، لكل ما يخالفهم الرأي ، والفكرة ، والقول ، والفعل ، بل وكل ما يتناقل ضد أحدهم الآخر من وشاية ، وأكاذيب ، واتهامات، وأحياناً من دون ذلك كله.
ما قصة حديقة المنزل من هذه الانتهاكات والجرائم ؟
لكل من يقرأ هذا المقال ممن عاصروا حكم نظام حزب البعث ، لديهم فكرة عن قصة (حديقة البيت) في تجاربهم مع الانتهاكات البعثية الإجرامية ، أو إنها قصص مسموعة عن ما قام به الأهالي من لجوء إلى (حديقة البيت) لحماية أنفسهم وما يملكون من بطش حزب البعث . أروي لكم شخصياً تجربة من المخاوف والمظالم والتوجسات والقلق مع أزلام النظام البعثي ، كان في زمن الحصار ، كنا قد خبأنا الحنطة التي كان يمنع البعث حينها خزنها في البيوت في (حديقة البيت) بعد أن حفرنا لها مخبأً فيها وأخفيناها ؛ لأنه صدام أمر بتسليم الحنطة في موسمها كلها إلى المخازن الحكومية السايلوات بحجة تأمين الغذاء في زمن الحصار ، ولكن الواقع أن الوجبة الغذائية التي تُعطى من خلال الحصص التي تمنحها الحكومة لا تكفي لسد حاجات العوائل ، فتضطر الناس إلى شراء الحنطة وخزنها لتأمينها من الحاجة والجوع. ولكن هذا التأمين الغذائي كان ممنوعاً عند سلطة البعث ، ويُجرَّم ، ويعاقب عليه بالمصادرة ، والسجن ، وربما تصل إلى الإعدام إن حدث موقف مع عناصر الأمن البعثيين حين يقومون بتفتيش البيوت ، بحثاً عن الحنطة ، وما يلحقها من انتهاك لحرمة البيوت وتجاوز الخصوصيات. هناك قصص أخرى مع (حديقة البيوت) كيف استعملها الناس لحماية أنفسهم وممتلكاتهم من بطش حزب البعث ؟ بعض العوائل قامت باستعمال (حديقة البيت) بحفرها كملجأ لحماية أنفسهم من المداهمات والاعتقالات والتفتيش لا سيما الهاربين من الجيش والمطلوبين للبعث، بعضهم نجح بذلك وبعضهم تم اكتشافه ، ومثل هذه التجربة قام بها كثير من الناس ، حتى هرم السلطة نفسه صدام حسين حين سقوطه لجأ إلى هذه العملية في ملجأ في حديقة بيت وحفر له حفرة ليختبئ بها حتى اكتشافه والإمساك به. وهناك عوائل قامت بحفر مخزن أرضي في حديقة البيت لكي يخبئوا ما لديهم من ممنوعات في عهد حكم البعث ، مثل الكتب ، والأجهزة ، والأسلحة وغيرها. بعضهم ينجح في حمايتها وبعضهم يكتشف فيعاقب. وهناك من اتخذ من حديقة البيت مخزناً لحماية الأموال، والمقتنيات الذهبية والمجوهرات ، خوفاً من مصادرتها من قبل عناصر البعث الإجرامية حين قيامهم بالتفتيش ، والمداهمات ، والاعتقال وغيرها. أما البعض الآخر فقد استعمل (حديقة البيت) مدفناً لذويهم المطلوبين للبعث ، ومن الذين لا يمكنهم الدفن في المقبرة خوفاً من انكشاف أمره وأمرهم ، وليس ذلك فحسب ، بل ؛ لأن الظروف الأمنية قد لا تسمح لهم بالتنقل بين المحافظات لا سيما في مرحلة الحرب ، والضربات الأمريكية ، والانتفاضة وغيرها من الظروف التي كان فيها المواطنون مراقَبين أمنياً لا يُسمح له حتى بدفن موتاهم أو يخافون حتى من نبش قبورهم. فحدائق البيوت كانت ملاذاً للعوائل العراقية عن ملاحقات حزب البعث وانتهاكاته ، لحرمة البيوت ، وأمن العوائل ، والسكينة العامة التي كانت مفقودة تماماً من مقومات الحياة عند الشعب العراقي .




تقييم المقال

