البحث المتقدم

البحث المتقدم

الموت في القبور

11 تقييم المقال

انثروبولوجيا المقابر الجماعية في العراق

الموت في القبور

 

 

رائد عبيس

 

 

فكرةُ هذا المقال تتحدث عن ممن دُفِنوا أحياءً في قبورٍ جماعية أو منفردة، أي في صورةٍ مخالفة للطبيعة الإنسانية في التعامل مع الموتى، وهي ما تنقلنا إلى محلِّ الجريمة، أي أن الضحية دُفِن وهو حيٌّ. فالموتُ داخل القبر هو مخالفةٌ للحالة المعتادة (الموت قبل الدفن)؛ فالدَّفنُ قبل الموت هو إشارةٌ إلى جريمةٍ مركبة تمثلت بإرادةٍ قصدية وشروعٍ تامٍّ إلى إحداث هذا النوع من الإماتة غير الطبيعية بحق الضحايا.

تكررت كثيراً مثل هذه الأفعال في حوادث المقابر الجماعية في العراق، المقابر التي نتجت لا من دفن الموتى، بل من دفن الأحياء وهم أحياء! هي تلك الموتة التي تسمح بالتفكير بالمصير لبرهةٍ من الوقت، بعد أن أُنزلوا بحفرةٍ كبيرة تحولت فيما بعد إلى قبر، وقبل أن يُهال عليهم التراب لينهي وجودهم إلى الأبد؛ هذه الطريقة لم تكن طريقة موتٍ فحسب بل طريقة تعذيب.

أظهرت نتائج التحليل الأنثروبولوجي لوقائع هذه الجرائم بأن كثيراً من حالات الموت في هذه المقابر كانت قد تمت داخل القبر وليس خارجه، أي أن الضحايا واجهوا الموت تحت الأرض! كما أن تشابك الرُّفات وتجاورها يعكس حالةً انثروبولوجية مؤلمة وهي الاحتضان والوداع وخوف بعضهم على بعض، وكأنما أحدهم يحمي الآخر مما سوف يتلقونه من مصير ويعانونه وينتهونه إليه معاً. تلك هي "موتة التوادّ" والموت برحمة الحب، مثل رفات أمٍّ محتضنة لرضيعها أو أبٍ لابنه!

مواجهة المصير المشترك جعلت من فكرة "وحدة المصير" قضيةً عمّن واجهه، هذه الصور تناقلها من نجا من محاولة الموت أو الدفن أحياء، ممن تظاهروا بالموت أو تمكنوا من الخروج من واقع تلك الجريمة بإعجوبة.

كانت آليات الدفن الحي حاضرة في ميادين جرائم النظام البائد بحق الكورد، كما حدث ذلك ضد الشيعة بعد الانتفاضة الشعبانية؛ دُفنوا وهم أحياء، وبسياراتهم، حيث كانت الحفر تنتظرهم بشكلٍ من التنفيذ السريع.

في التحليل الأنثروبولوجي السياسي يظهر أن "البعث" لم يكن يؤمن بوحدة الشعب، كان يؤمن بـ "وحدة الحزب"؛ لذلك كان يعد من لم يكن بعثياً لم يكن عراقياً. هذه الجدلية المتغطرسة كانت ذات دوافع احتوائية؛ إما أن يكون الشعب بعثياً وإما يواجه مصير الإبادة.

فحاجتنا إلى دراساتٍ انثروبولوجية للمقابر الجماعية هي حاجةٌ ملحة لتحليل هذا الترابط السببي بين التوظيف السياسي لحياة الشعب، وبين مواجهة مصير الإلغاء الوجودي لكل ضدٍّ نوعي لفكر الحزب وسياسته! فالخصائص الانثروبولوجية للمقابر تظهر بعد هذا التباعد من العقود، وتضفي عليها أهميةً وطنية ووجدانية في تعزيز ذاكرة الشعب ومعرفة ذلك الممسك بـ السَّوط المشترك الذي كان يمر على أجساد العراقيين.

 

نعم
هل اعجبك المقال