جرائم وانتهاكات نظام حزب البعث في العراق منطقة الحشرية (حلبجة الجنوب)
جرائم وانتهاكات نظام حزب البعث في العراق
"عوائل المخربين"
د. رائد عبيس
من هم "المخربون" في معايير حزب البعث؟ ومن هي "العوائل المخربة" عنده؟ وكيف تُصنف هذه العوائل بهذه الصفة؟ وماذا يحدث لمن يطالهم هذا الاتهام؟ وهل هناك تصنيفات أخرى أطلقها النظام بحق معارضيه؟
اعتاد حزب البعث في سياساته العامة توجيه التهم للمواطنين والعوائل التي لم تواليه، أو ترفض الانخراط في تنظيمه، أو تمتنع عن التخادم معه. ولم يكن ثمن هذه الممانعة تلحق برب الأسرة أو الأم فحسب، بل كانت تمتد لتشمل الأبناء، والأعمام، والأخوال، والخالات، وزوجات الأبناء، وأزواج البنات، وأقاربهم حتى الدرجة الرابعة؛ لتطالهم جميعاً شبكة من الملاحقة والمراقبة والمساءلة.
أما عن كيفية تصنيف العوائل أو الأفراد، فقد شملت من يحمل السلاح ويواجه النظام ويعارضه بالقوة، أو حتى الأبرياء من تطالهم تهمة المؤامرة والمعارضة ، حيث كان يعدهم النظام "المخربين". كما كان مصير العائلات التي تقف مع أبنائها وترفض التخلي عنهم أو التبرؤ منهم مرتبطاً بمصيرهم من قتل وسجن وملاحقة. وتُصنف العوائل بهذه الصفة متى ما اتخذت موقفاً مناوئاً لسياسة الحزب، ودخلت في مرحلة الصراع مع عناصره؛ مثلما حدث لعوائل دينية معارضة كآل الصدر وآل الحكيم في النجف الأشرف وغيرهما، فضلاً عن العوائل الملتزمة دينياً التي رفضت الانصياع للسياسة الحزبية.
وعادة ما كان يبدأ حزب البعث وعناصره بملاحقة أفراد هذه العوائل، ثم تنفيذ الاعتقال الجماعي بحقهم، تلي ذلك مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة. وغالباً ما كان مصيرهم السجن المؤبد أو المؤقت، أو الإعدام، أو الترحيل القسري كما حدث لعوائل الكورد الفيلية التي تمثل نموذجاً صارخاً لمعاناة العوائل العراقية المصنفة بهذا الاتهام. فضلاً عن حرمان أبناء هذه العوائل من الدراسة، والفصل من الوظائف، ومنعهم من الاندماج الاجتماعي، فضلاً عن وضعهم تحت طائلة المراقبة، والملاحقة، والتفتيش المستمر لمنازلهم ، ومنعهم من السفر، وسلبهم أبسط امتيازات الحياة المدنية الطبيعية.
ويرجع أصل هذه التسمية إلى الصراع المسلح بين حزب البعث والمقاتلين الكورد في إقليم كوردستان، أو العوائل العربية في جنوب العراق القريبة من الحدود العراقية الإيرانية، أو العوائل التي كانت تواجه النظام مواجهة مسلحة حين يقرر النظام وعناصره الهجوم على قراهم ومدنهم.
إلى جانب ذلك، أطلق النظام توصيفات أخرى عديدة على العوائل الرافضة لسياساته كعوائل غير مرغوب فيها، فبدأت الأوصاف تطلق عليهم جزافاً، مثل: عوائل الخونة، والعوائل العميلة، والعوائل الغوغائية، والعوائل المعادية، والعوائل الخمينية، وعوائل العصاة، والعوائل غير البعثية. في المقابل، كان أزلام النظام يتفاخرون أمام أسيادهم بتعريف أنفسهم بوصفهم "عوائل بعثية"، أو "عوائل مناضلة"، أو "عوائل صديقة للرئيس". وبهذه الطريقة خلق البعث قطيعة اجتماعية داخل العائلة الواحدة وضمن العشيرة الكبيرة؛ إذ تفاوت أفرادها بين منتمي للبعث ورافض ومعارض ومتحرّك ضد سياساته، مما أدى إلى انتشار الوشايات والأخبار الكيدية التي راحت ضحيتها مئات العوائل التي أُبيدت تماماً واختفت من الوجود، مثل عائلة آل طعمة في كربلاء التي أُذيب أفرادها بمادة "التيزاب".
هذا التصنيف الأمني للعوائل أوجد تبعات اجتماعية عميقة لم يكترث النظام لنتائجها، ولا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم في الوجدان العراقي. فتمزيق الأواصر الاجتماعية في زمن البعث ناجم عن هذه التوصيفات التي جعلت العائلة تتبرأ من أحيائها، وأقاربها ، وتتخلى عنهم.
وفي سياق التوثيق، يوثق السيد صاحب الحكيم شهادة مهمة من خلال إخبار أمني صادر عن دائرة أمن دربندخان (فرقة حلبجة) برقم 63/3819 في 16/9/1987، يتضمن مخاطبة إدارية أمنية بشأن اعتقال أعداد من العوائل المصنفة بـ "عوائل المخربين"، ومصادرة أثاث بيوتهم وممتلكاتهم، مع التوعد بملاحقة المزيد من هذه العوائل.




تقييم المقال
